لم تصلح المفاوضة ، وتهيأ الفريقان للحرب ....
وأمر سعد ،رضي الله عنه الناس أن يقفوا مواقفهم ، وأرسل إلى الفرس : شأنكم والعبور ، فأرادوا القنطرة – وكانت للفرس وأخذها المسلمون منهم فأرسل سعد إليهم : لا نرد عليكم شيئا قد غلبناكم عليه ، تكلفوا معبراً غير القناطر
فباتوا يُسكِرون 2 نهر العتيق إلى الصباح بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقاً
ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم وجلس رستم على سريره وعبَّى في القلب ثمانية عشر فيلاَ عليها الصناديق والرجال ،
وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين ..
وكان ملك الفرس يزدجرد وضع رجلاً على بواب إيوانه ، وأمره بلزومه وآخر حيث يسمعه من الدار وآخر خارج الدار وكذلك وضع على كل مسافة رجلا فنظم ما بين العتيق والمدائن رجالا فكان يعلم الأخبار حين حدوثها لا يغيب عنه شيء حدث في ليل أو نهار ..
أخذ المسلمون مصافّهم وكان سعدٌ ،رضي الله عنه يومئذ به دماميل لا يستطيع أن يركب ولا يجلس إنما هو على وجهه في صدره وسادة وهو مكب عليها مشرف على الناس يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عُرْفُطة ،رضي الله عنه وبرم بعض المسلمين بسعد وتندروا بمرضه واختلفوا على خالد ...
" وكان ممن شغب على خالد بعض وجوه الناس فهَمَّ بهم سعد وشتمهم وقال : أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم ، ثم أمر بجماعة منهم أبو محجن الثقفي ،رضي الله عنه فحٌبسوا وقيّدهم في القصر ..."
" ثم إن سعدًا خطب من يليه يوم الاثنين في المحرم سنة أربع عشرة فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن اللّه عز وجل يقول: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثَهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون} الأنبياء 105.
هذا ميراثكم وموعود ربكم ... وقد جاءكم من عدوكم هذا الجمع وأنتم وجوه العرب واعيانهم وخيار كل قبيلة وعز من ورائكم فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة يجمع الله لكم الدنيا والآخرة ... وإن تفشلوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم.... "
قال الطبري :
" ثم كتب سعد ،رضي الله عنه إلى الرايات : إني قـد استخلفت عليكم خالد بن عرفطه وليس يمنعني أن أكون مكانه الا وجعي الذي يعودني وما بي من الحبون 3 فإني مكب على وجهي وشخصي لكم باد فاسمعوا له وأطيعوا فإنه إنما يأمركم بأمري ويعمل برأيي ، وقرأ الكتاب على الناس فقبلوا منه وتحاثوا على السمع والطاعة وأجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع ... "
وقبل أن يأذن سعد بالقتال أرسل ذوي الرأي والفضل والنجدة إلى الناس فكان من ذوي الرأي المغيرة وحذيفة وعاصم ومن أهل النجدة طليحة و قيس الاسدي و عمرو بن معد يكرب ومن الشعراء الشماخ و الحطيئة و أوس بن مغراء وغيرهم وقال لهم : انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق عليهم فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به ، انتم شعراء الناس وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال ....
فساروا إلى الناس بذلك
فقال عاصم بن عمرو ،رضي الله عنه :
يا معشر العرب إنكم اعيان العرب وقد سمعتم لأعيان العجم وإنما تخاطرون بالجنه ويخاطرون بالدنيا فلا يكوننّ على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم ، لا تحدثوا اليوم أمرا تكونون به شينا على العرب غدا ...
وقال ربيع السعدي ،رضي الله عنه :
يا معاشر العرب قاتلوا للدين والدنيا (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين )) ...
وقاموا كلهم بنحو من هذا الكلام فتواثق الناس وتعاهدوا ...
" ثم امر سعد أن يقرأ على الناس سورة الجهاد (الانفال) ثم قال لهم :
الزموا مواقفكم ولا تحركوا شيئا حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم الظهر فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم واعلموا أنما اعطيتموه تأييداً لكم ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا ولتُستَتمّ عُدّتكم ، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس ليببرزوا وليطاردوا ، فإذا كبرت الرابعه فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا : لا حول ولا قوة الا بالله ....
ولما فرغ القراء كبر سعد فكبر الذين يلونه تكبيرة وكبر بعض الناس بتكبير بعض فتحشحش الناس ثم ثنى فاستتم الناس ، ثم ثلث فبرز أهل النجدات فانشبوا القتال وخرج من اهل فارس أمثالهم فاعتوروا الطعن والضرب ...
" وبرز غالب بن عبدالله الأسدي رضي الله عنه فخرج الى هرمز وكان متوجا فأسره غالب وجاء به سعدا ....
وخرج عاصم بن عمرو رضي الله عنه فطارد رجلا من أهل فارس فهرب منه واتبعه حتى إذا خالط صفهم التقى بفارس معه بغله فترك الفارس البغل واعتصم بأصحابه فاستاق عاصم البغل حتى اتى به الى الصف فإذا الفارس خباز الملك واذا الذي معه هدايا الملك : الأخبصة والعسل المعقود فأتى به سعد ورجع الى موقفه فلما نظرفيه سعد قال : انطلقوا به الى أهل موقفه ، وقولوا لهم إن الأمير قد أهداكم هذا فكلوه ....
ومر عمروا بن معد يكرب رضي الله عنه يحضض الناس بين الصفين فبينا هو كذلك اذا خرج اليه رجل من الأعاجم فوقف بين الصفين فرمى بنشابه فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها فالتفت اليه وحمل عليه فاعتنقه ثم أخذ بمنطقته فاحتمله فوضعه بين يديه ثم كسر عنقه ووضع سيفه على حلقه وذبحه ثم ألقاه وقال : هكذا فاصنعوا بهم ... "
ثم كبر سعد التكبيرة الرابعه آية الزحف العام وحمل أصحاب الفيلة من الفرس ففرقوا كتائب المسلمين وابذغرت خيولهم وكادت بجيلة أن تؤكل وفرت عنها خيلها نفارا وبقيت الرجالة من أهل المواقف ...
فلما رأى سعد ما حل بهم أعانهم ببني أسد فصمدوا لها ثم أخذت الدائرة تدور عليهم وكادت خيلهم تحجم وتحيد ...
فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي وقال : يا معشر بني تميم الستم اصحاب الإبل والخيل أما عندكم لهذه الفيلة من حيله
قالوا : بلى ثم نادى عاصم في رجال قومه فقال لهم : ذُبوا 4 ركبان الفيلة بالنبل واستدبروا الفيلة فقطعوا وُضنها 5
وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد ، وأقبل اصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها فقطعوا وُضُنها وارتفع عواؤها فما بقي لهم يومئذ فيلٌ الا أعري ووقعت الصناديق التي كانت عليها وقتل اصحابها ...
ونُفِّس عن أسدٍ ، ورَدّوا الفُرسَ إلى مواقفهم ثم اقتتلوا حتى غربت الشمس واستمروا حتى ذهبت هدأة من الليل ورجع هؤلاء وهؤلاء ...
واستشهد من أسد تلك العشية خمسمائة وكانوا ردءاً للناس وهذا هو اليوم الأول من أيام القادسية واسمه يوم أرماث
" وانصرف الفريقان لإعادة التنظيم ولم يحقق أحد منهم نصرا حاسما ، الا أن المسلمين استطاعوا احباط مخطط عدوهم الذي كان يعول عليه النصر بزج الفيله في المعركة وقد استطاع المسلمون ليلة الهدأة أن يجمعوا جثث شهدائهم ومن ثم ارسالهم على ظهور الجمال الى حيث كانت النساء هناك يقمن بالتطبيب والعمل على دفن الشهداء في قبور قمن بحفرها في أرجاء العُذَيب
الاحد, 31 ديسمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















