صياد الطيور
مدونه شخصيه ممكن تعجبكم

نكسات تاريخيه 3


النَّكْسَةُ العَاشِرَةُ
ظُهُوْرُ أنْصَافِ الدُّعَاةِ !
إنَّ مَا حَلَّ فِي سَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّام لهُوَ أمْرٌّ خَطِيْرٌ، ونَكْسَةٌ عَظِيْمَةٌ، وفِتَنٌ هَوْجَاءُ، مِمَّا أُصِيْبَ فِيْها كَثِيْرٌ مِنْ عُقَلاءِ المُسْلِمِيْنَ بحَيْرَةٍ ودَهْشَةٍ؛ حَتَّى كَادَ الرَّجُلُ إذا مَرَّ بالقَبْرِ يَقُوْلُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَه!، إنَّها فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.
ولعَمْرُ اللهِ؛ لَوْ أنَّ هَذِه النَّوَازِلَ عُرِضَتْ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لَجَمَعَ لَهَا أهْلَ بَدْرٍ قَطُّ، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّها نَوَازِلُ مَصِيْرِيَّةٌ مُهْلِكَةٌ، سَتَجُرُّ الأمَّةَ إلى أوْدِيَةِ تَيْهٍ، ومَسَالِكَ ضَلالٍ، لا تُبْقِي ولا تَذَرُ !
وعِنْدَ هَذَا؛ إذْ بِنَا نَجِدُ أنْصَافَ الدُّعَاةِ، لا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَةً فِي الكَلامِ عَنْ هَذِه النَّوازِلِ الهَالِكَةِ، دُوْنَ خَوْفٍ أو وَرَعٍ، أو حَتَّى تَأصِيْلٍ عِلْمِي رَاسِخٍ؛ بَلْ نَرَاهُم يَتَدَافَعُوْنَ عَلَى القَنَوَاتِ الإعْلامِيَّةِ للظُّهُوْرِ والتَّنْظِيْرِ، وهَكَذا لَمْ تَقِفْ عَجَلَةُ الظُّهُوْرِ تَدْفَعُ كَثِيْرًا مِنْهُم إلى اسْتِصْدَارِ فَتَاوَى ظَالِمَةً، وأحْكَامًا قَاصِمَةً، أوْرَدَتِ الأمَّةَ مَوَارِدَ فِتْنَةٍ؛ فيَاللإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ !
* * *
إنَّ ظُهُوْرَ مِثْلِ هَؤلاءِ الأصَاغِرِ ذِي الوُجُوْهِ ( الشَّاحِبَةِ ! ) الَّتِي لَمْ تَخْشَ التَّوْقِيْعَ عَنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ فِي مِثْلِ هَذِه المَوَاقِفِ المَصِيْرِيَّةِ العَصِيْبَةِ الَّتِي تَمُرُّ بالأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ مِمَّا لا يُقِرُّه نَقْلٌ صَحِيْحٌ، ولا عَقْلٌ صَرِيْحٌ!، إنَّ ظُهُوْرَ مِثْلِ هَذِه الدَّعَوَاتِ الجَرِيْئَةِ فِي هَذَا الوَقْتِ العَصِيْبِ لَهُوَ كَارِثَةٌ عَمْيَاءُ، حَيْثُ تَرَكَتْ وَرَاءها آثَارًا سَيِّئَةً، مِنَها :
ـ مُصادَرَةُ ومُصَادَمَةُ فَتَاوَى أهْلِ العِلْمِ الرَّبانِيِّيْنَ .
ـ تَضْلِيْلُ المُسْلِمِيْنَ عَنْ بَيَانِ الحَقِّ .
ـ تَشْوِيْهُ كَثِيْرٍ مِنَ الحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ المَعْلُوْمَةِ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُوْرَةِ عِنْدَ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ .
ـ فَتْحُ بَابٍ كَبِيْرٍ للرِّوِيْبِضَاتِ، وكَذَا الجُهَّالِ مِنْ أنْصَافِ المُثَقَّفِيْنَ للحَدِيْثِ عَنْ قَضَايا الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ .
ـ فَتْحُ بَابِ الاجْتِهَادِ والنِّقَاشِ حَوْلَ مَسَائِلَ وأحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ قَدْ أجْمَعَ عَلَيْها أئِمَّةُ السَّلَفِ والخَلَفِ .
ـ التَّوَسُّعُ والإغْرَاقُ فِي الكَلامِ عَنِ التَّنْظِيْرِ، والتَّرْشِيْدِ، والتَّنْظِيْمِ، والتَّحْلِيْلِ … كُلُّ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ الوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ تُجَاهَ القَضَايا المَصِيْرِيَّةِ الحَالِكَةِ الَّتِي ألَمَّتْ بالأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ ... إلخ .
* * *
فإذَا عُلِمَ هَذَا؛ كَانَ عَلَى أهْلِ العِلْمِ النَّاصِحِيْنَ أنْ يُوْقِفُوا هَذَا الزَّحْفَ السَّائِرَ، والسَّيْلَ الثَّائِرَ نَحْوِ حُصُوْنِ المُسْلِمِيْنَ، الَّتِي لا تُبْقِي ولا تَذَرُ، مَعَ هَتْكِ مَا وَرَاءِ هَذِه الدَّعَوَاتِ العَرِيْضَةِ مِنَ القَوْلِ بالبَاطِلِ، أو التَّرَخُّصِ فِي الفَتَاوَى مُسايَرَةً للضُّغُوطِ السِّيَاسِيَّةِ، أو الانْهِزَامَاتِ النَّفْسيَّةِ الَّتِي تُمْلِيْها نَفَثَاتُ المُرْجِفِيْنَ المُخَذِّلِيْنَ مَمَّنْ قَتَلَتْهُم الشُّهْرَةُ الخَفِيَّةُ، أو أسَرَتْهُم المَدَنِيَّةُ الغَرْبيَّةُ … فعِنْدَ ذَلِكَ طَارَتْ فَتَاوَاهُم تَحْرُثُ الأرْضَ بَلاقِعَ، وتُحَارِبُ المُصْلِحِيْنَ الذَّادِّيْنَ عَنْ حِيَاضِ الإسْلامِ فَرَاقِعَ !

* * *

النَّكْسَةُ الحَادِيَةُ عَشَرَ
تَوْظِيْفُ الفَتَاوَى الشَّرْعِيَّةِ للمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ !
إنَّنا لا نَشُكُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي كَثِيْرٍ مِنَ أهْلِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ، مِمَّنْ اسْتَشْرَفَتْهُم واحْتَضَنَتْهُم بَعْضُ القَنَوَاتِ الإعْلامِيَّةِ، لِيَبُثُّوا عَلَى المَلاءِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فتَاوَاهُم وأحْكَامَهُم؛ إلاَّ أنَّ هَذِه الإطْلالَةَ البَرِيْئَةَ مِنْهُم لَمْ تَكُنْ بدَافِعِ الحُرِّيَّةِ والاخْتِيَارِ، بِقَدْرِ مَا كَانَتْ مُوَظَّفَةً بحَسَبِ مَا تُمْلِيْهِ عَلَيْهُم المَصَالِحُ السِّياسِيَّةُ.
يُوَضِّحُه : قَضِيَّةُ العِرَاقِ مَثَلاً، فَهَلْ يَنْسَى أحَدٌ مَا حَصَلَ فِي حَرْبِ العِرَاقِ الأوْلَى مَعَ إيْرَانَ، يَوْمَ فَتَحَ الإعْلامُ قَنَوَاتِه لأهْلِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ، كَي يُبِيِّنُوا للنَّاسِ حَقِيْقَةِ الخُمَيْنِي الشِّيْعِي الكَافِرِ، مَعَ بَيانِ وَاجِبِنا كمُسْلِمِيْنَ نَحْوَ العِرَاقِ ؟، ثُمَّ لَمْ تَمْضِ هَذِه البَيَانَاتُ إلاَّ وَقَامَتْ حَرْبُ العِرَاقِ الثَّانِيَةِ ضِدَّ الكُوَيْتِ، فَعِنْدَها قَامَ الإعْلامُ يَرْكُضُ حَثِيْثًا فِي اسْتِقْطَابِ أهْلِ العِلْمِ والدُّعَاةِ ليَكْشِفُوا حَقِيْقَةِ صَدَّامَ البَعْثِي الكَافِرِ، ووَاجِبِنا نَحْوَ إخْوانِنا فِي الكُوَيْتَ، وهَكَذَا حَتَّى إذَا جَاءتْ إمْرِيْكا وحُلَفَاؤُها الصَّلِيْبِيُّوْنَ لِحَرْبِ العِرَاقِ، قَامَ الإعْلامُ عَلى قَدَمَيْه يَسْتَضِيْفُ العُلَمَاءَ والدُّعَاةَ لبَيَانِ خَطَرِ الزَّحْفِ الصَّلِيْبِيِّ عَلَى المَنْطَقَةِ، ووَاجِبِنا تُجَاه إخْوَانِنا فِي العِرَاقِ، وهَكَذَا لَمْ تَزَلْ المَسْرَحِيَّةُ فِي عَرْضِ أدْوَارِها حَتَّى إذا مَا سَقَطَتْ بَغْدَادُ فِي أيْدِي الصَّلِيْبِيِّيْنَ ( الإمْرِيْكان وحَلَفَائِها ) بَعْدَ مَسْرَحِيَّةٍ مَحْبُوْكَةٍ شَأنُها شَأنَ الجُوْلانَ، قَامَ الإعْلامُ يَسْدِلُ السِّتَارَ عَلَى أهْلِ العِلْمِ، ليُخْرِجَ لَنَا الأفَاعِي مِنْ جُحُوْرِها : كالعِلْمَانِيِّيْنَ، والحَدَاثِيِّيْنَ، وأنْصَافِ المُنَافِقِيْنَ ليُكْمِلُوا المَسْرَحِيَّةَ السِّياسِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكْتَمِلْ فُصُوْلُها تَحْتَ عَنَاوِيْنَ مَاكِرَةٍ : كـ( الخَيْرِ وتَحْسِيْنِ المَعِيْشَةِ ) الَّذَيْنِ جَاءتْ بِهِمَا رَائِدَةُ السَّلامِ ( إمْرِيْكا ! ) بَعْدَ إسْقَاطِها للنِّظَامَ البَعْثِي، و( مُسْتَقْبَلِ العِرَاقِ بَعْدَ الحَرْبِ )، و( نَزْعِ السِّلاحِ الشَّامِلِ مِنَ المَنْطَقَةِ ) وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَنَاوِيْنَ تَحْمِلُ بَيْنَ سُطُوْرِها البَاطِلَ والخِيَانَةَ ؟!
إنَّ مِثْلَ هَذِه المَهْزَلَةِ التَّارِيْخِيَّةِ؛ لَهِيَ صُوْرَةٌ تَقْرِيْبِيَّةٌ مُصَغَّرَةٌ لتَوْظِيْفِ الفَتَاوَى الشَّرْعِيَّةِ للمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ !
* * *



كَمَا أنَّنا لا نَشُكُّ أنَّ الَّذِيْنَ اسْتَشْرَفَتْهُم واحْتَضَنَتْهُم بَعْضُ القَنَوَاتِ الإعْلامِيَّةِ، هم أحَدُ رَجُلَيْنِ لا ثَالِثَ لَهُمَا :
الأوَّلُ مِنْهُم : مَنْ كَانَ يَعْلَمُ تِلْكَ الخُطُوْطَ العَرِيْضَةَ الَّتِي تُمْلَى عَلَيْهِم، والخَانَاتِ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَيْهم بطَرِيْقَةٍ أو أخْرَى، إلاَّ أنَّهُم مَعَ هَذَا لَمْ يَسْتَنْكِفُوا الرَّكْضَ فِي هَذِه السَّرَادِيْبِ المُحْكَمَةِ، والأُطُرِ المُحَدَّدَةِ، غَيْرَ أنَّهُم مَعَ هَذِه الغَفْلَةِ المُسْتَنْكَرَةِ يَعْتَذِرُوْنَ : بالحِكْمَةِ، وكَسْبِ الآخَرِيْنَ .
والآخَرُ مِنْهُما : مَنْ غَابَتْ عَنْهُم كَثِيْرٌ مِنْ هَذِه الحَقَائِقِ المُؤْلِمَةِ، إلاَّ أنَّهُم يَعْتَذِرُوْنَ : بِحُسْنِ الظَّنِّ بِمَنِ اسْتَضَافُوْهُم، وقَدَّمُوْهُم للجَمَاهِيْرِ!
* * *
أمَّا كَلامُنَا عَنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فسَيَكُوْنُ باخْتِصَارِ:
الأُوْلَى مِنْهُما : مَنْ كَانَ يَعْلَمُ مَا هُنَالِكَ مِنْ إمْلاءاتٍ سِيَاسِيَّةٍ، ومَصَالِحَ نَفْعِيَّةٍ، فَهَؤُلاءِ قَدْ رَفَعُوا عَقِيْرَتِهِم بأهَمِّيَّةِ الاسْتِفَادَةِ مِنْ هَذِه الفُرَصِ ( الذَّهَبِيَّةِ ! ) لكَسْبِ كِلا الطَّرَفَيْنِ : ( أهْلِ الحَقِّ، وأهْلِ البَاطِلِ )، بحَيْثُ تَتَّسِعُ دَعَوَاتُهم لشَرِيْحَةٍ كَبِيْرَةٍ مِنَ المُجْتَمَعِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم بِدَافِعِ تَقْرِيْبِ وُجَهَاتِ النَّظَرِ، وتَلْطِيْفِ الأجْوَاءِ، وتَلْمِيْعِ المَوَاقِفِ لاحْتِوَاءِ الآخَرِيْنَ بطَرِيْقٍ أو آخَرَ…!
وهَكَذَا لَمْ تَزَلْ هَذِه الدَّعَوَاتُ ( التَّجْمِيْعِيَّةُ التَّقْمِيْشِيَّةُ ! ) في إقْبَالٍ وانْتِشَارٍ تُسَابِقُ الزَّمَانَ، حَتَّى وَصَلَتْ إلى حِمَى كَثِيْرٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ بِشَكْلٍ مُخِيْفٍ، وفِي وَقْتٍ سَرِيْعٍ!
* * *
فأصْحَابُ هَذِه الدَّعَوَاتِ العَائِمَةِ فَوْقَ بِحَارٍ هَائِجَةٍ، وأمْوَاجٍ مُتَلاطِمَةٍ؛ لَمْ تَكُ فِي حَقِيْقَتِها إلاَّ فَوْضَوِيَّةٌ فِي الدَّعْوَةِ، وتَمْثِيْلِيَّةٌ مَكْشُوْفَةٌ، حَيْثُ خَلَّفَتْ وَرَاءهَا آثَارًا خَطِيْرَةً، وتَصَوُّرَاتٍ فَاسِدَةً عِنْدَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ؛ بَلْ ألْبَسَتِ الأمَّةَ ثَوْبًا مِنَ التَّنَاقُضِ والتَّبَايُنِ، مِمَّا جَعَلَتْهُم يَدُوْرُوْنَ فِي فَلَكِ الحَيْرَةِ والشُّكُوْكِ، فَمِنْ ذَلِكَ :
1ـ أنَّ أصْحَابَ هَذِه الدَّعَوَاتِ ( الهَزِيْلَةِ ! )، لَمْ يَنْصُرُوا حَقًّا، ولَمْ يَكْسِرُوا بَاطِلاً، فَهُم كَشَاةٍ عَائِرَةٍ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ تَعِيْرُ إلى هَذِه مَرَّةً، وإلى هَذِه مَرَّةً !
2 ـ أنَّهُم بقَدْرِ اجْتِهَادِهِم فِي سَبِيْلِ كَسْبِ الأطْرَافِ؛ مَا ازْدَادُوا إلاَّ خَسَارَةً وتَفْرِيْقًا للأطْرَافِ.
3ـ أنَّهُم بقَدْرِ اجْتِهَادِهِم فِي سَبِيْلِ احْتِوَاءِ الأطْرَافِ؛ مَا ازْدَادُوا إلاَّ بُغْضًا مِنَ الجَمِيْعِ .
4ـ أنَّهُم لَمْ يَكْسِبُوا مَوْقِفًا وَاحِدًا فِي جَمِيْعِ المَوَاقِفِ الَّتِي طَرَقُوْهَا أمَامَ الجَمِيْعِ، وذَلِكَ بشَهَادَةِ الجَمِيْعِ، وأدَلُّ شَيْءٍ عَلَى ذَلِك : أنَّ كِلا الطَّرَفَيْنِ ( أهْلَ الحَقِّ، وأهْلَ البَاطِلِ ) لَمْ يَأخُذُوا بِشَيْءٍ مِنْ أرَائِهِم، ولَمْ يَصْدُرُوا عَنْ أوَامِرِهِم لا مِنْ قَرِيْبٍ ولا مِنْ بَعِيْدٍ؛ بَلْ إنَّ حَقِيْقَةِ الأمْرِ أنَّ كِلا الطَّرَفَيْنِ لا يُرِيْدَانِ مِنْهُم هَذِه الدَّعْوَةَ التَّجْمِيْعِيَّةَ التَّقْمِيْشِيَّةَ، لأنَّ كلاًّ مِنْهُما يُرِيْدُ فَرْضَ رَأيِهِ، وتَثْبِيْتَ مَوْقِفَه، فَلا مَكَانَ بَيْنَهُما وَقْتَئِذٍ للمُرَاوَغةِ والمُدَاهَنَةِ؛ لأنَّ مِثْلَ هَذِه الدَّعَوَاتِ لَمْ تُثْمِرْ عَلَى مَرِّ التَّارِيْخِ، ابْتِدَءً بالمُنَافِقِيْنَ، وانْتِهَاءً بالتَّجْمِيْعِيِّيْنَ مِنْ أهْلِ الدَّعْوَةِ هَذِه الأيَّام، مَعَ الفَارِقِ بَيْنَهُما ( عَقِيْدَةً، وصِدْقًا ).
4ـ أنَّهُم وَضَعُوا أنْفُسَهُم فِي مَوَاقِفَ مَشْبُوْهَةٍ بَغِيْضَةٍ، لأنَّ كِلا الطَّرَفَيْنِ لَمْ يَرْضَ لَهُم حَالاً، وهُوَ اجْتِهَادُهم فِي جَمْعِ النّقِيْضَيْنِ ( أهْلِ الحَقِّ، وأهْلِ البَاطِلِ ) .
5ـ أنَّهُم أفْقَدُوا الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ كَثِيْرًا مِنْ عُلَمَائِها ودُعَاتِها الصَّادِقِيْنَ، الَّذِيْنَ لا تَأخُذُهُم فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ!، وذَلِكَ باحْتِوَائِهِم وجَرِّهِم إلى خَنَادِقِهِم الهَشَّةِ، وحِكْمَتِهِم البَارِدَةِ!
6ـ أنَّهُم أخْرَجُوا للأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ شَبَابًا مُنْهَزِمًا، تَحْتَ دَعَوَاتٍ هَزِيْلَةٍ باسْمِ الحِكْمَةِ والتَّرْبِيَةِ، والحِفَاظِ عَلَى الرَّصِيْدِ ورَأسِ المَالِ مِنَ الشَّبَابِ !
يُوَضَّحهُ؛ أنَّ كَثِيْرًا ( للأسَفِ ) مِنْ أصْحَابِ هَذِه الدَّعَوَاتِ قَامُوا سِرَاعًا فِي حَمْلِ ( شَبَابِهِم ! ) إلى العُزْلَةِ، والسُّكُوْتِ، وتَرْكِ العَمَلِ الدَّعَوِيِّ؛ خَوْفًا عَلَيْهم مِنْ مَسَارِبِ ( الفِتْنَةِ ! ) القَائِمَةِ بسَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ، بِمَعْنَى : عَدَمُ الاشْتِغَالِ بِمَا هُنَالِكَ مِنْ حُرُوْبٍ صَلِيْبِيَّةٍ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ فِي العِرَاقِ !، فَلَكُمُ اللهُ يَا شَبَابَ الإسْلامِ!، يَوْمَ تَوَلَّى تَرْبِيَتَكُم قَلِيْلُوا العِلْمِ، ضِعَافُ القُلُوْبِ، أحْلاسُ البُيُوْتِ، مِمَّنْ فرَّوْا وَقْتَ الزَّحْفِ عَنْ إخْوَانِهِم فِي سَاحَاتِ النِّضَالِ، فأيْنَ أنْتِ يا خَيْلَ اللهِ ؟!
7ـ أنَّهُم أسْقَطُوا هَيْبَةَ الدِّيْنِ وأحْكَامِه مِنْ قُلُوْبِ كَثِيْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ومَيَّعُوْهُ باسْمِ الدِّيْنِ، وقَدْ قِيْلَ : لا يَفُلُّ الحَدِيْدَ إلاَّ الحَدِيْدُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إذَا جَاءتِ الفَتَاوَى المُغْتَصَبَةُ، الَّتِي فُضَّتْ بَكارَتُها اغْتِصَابًا، وكُتِبَتْ شَهَادَتُها غِلابًا، فَلا تَحْزَنْ حِيْنَئِذٍ إذَا قِيْلَ : لا يَفُلُّ الدِّيْنَ إلاَّ الدِّيْنُ ! إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ خَسَائِرَ بائِرَةٍ، ومَفَاسِدَ سَافِرَةٍ، مُنِيَتْ بِها الأمَّةُ هَذِه الأيَّام، فَحَسْبُنا اللهُ، ونِعْمَ الوَكِيْلُ!
* * *
ومِنْ خِلالِ ما ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ كَانَ حَقًّا لازِمًا عَلَى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَجْتَهِدُوا حَثِيثًا فِي التَّحْذِيْرِ مِنْ خَطَرِ هَذِه الدَّعَوَاتِ الضَّعِيْفَةِ ( المُوَظَّفَةِ ! ) النَّازِلَةِ بسَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّام؛ لا سِيَّمَا أنَّ خَرْقَها قَدِ اتَّسَعَ، وشَرَّها قَدِ اسْتَوْضَعَ؛ حَيْثُ رَكَضَ أكْثَرُ المُسْلِمِيْنَ وَرَاءها وُحْدانًا وزَرَافاتٍ لا يَلْوُنَ عَلَى أحَدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ النَّاصِحِيْنَ!، ومِنْ هُنَا انْعَقَدَتْ آصِرَةُ المُغَالَطَاتِ، وبَلَغَتْ تُزَاحِمُ الحَقَائِقَ المَعْلُوْمَةَ ضَرُوْرَةً مِنَ الدِّيْنِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ حَتَّى غَزَتْ بَعْضًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ والدُّعَاةِ ( المَشْهُوْرِيْنَ ! )، ومِنْ وَرَائِهِم سَمَّاعُوْنَ، كَمَا انْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْها كالعُنُقِ الوَاحِدِ … فَيَا للإسْلامِ !
* * *
فَمَنْ لهؤلاءِ الهائِمِيْنَ فِي بَيْدَاءِ التَّيْهِ والغَفْلةِ ؟! ألَيْسَ كَانَ حَتْمًا عَلَى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَصِيحُوا في وُجُوهِ أصْحَابِ هَذِه الدَّعَوَاتِ الهَزِيْلَةِ الَّتِي : لم تنصر حقًا ولم تكسر باطلاً؟!؛ ليُوْقِفُوا هَذِه البَلايَا والآذَايَا الَّتِي مَرَجَتْ بأُمُوْرِ وقضايا المُسْلِمِيْنَ ؟ ألَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ نُصْحِ الأمَّةِ، وإبْرَاءِ الذِّمَّةِ ؟؛ بَلَى والَّذِي فَلَقَ الحبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ !
فَسُكُوتُ أهْلِ العِلْمِ عَنْ مِثْلِ هذه النَّكَسَاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ الَّتِي لَمْ يَشْهَدِ التَّارِيْخُ الإسْلامِيُّ لَهَا مَثِيْلاً؛ فأمْرٌ لا تَبْرُكُ عليه الإبِلُ؛ بَلْ هَذَا بَكْلٌ مِنْ البَكْلِ!
* * *
أمَّا كَلامُنا مَعَ أصْحَابِ الطَّرَفِ الآخَرِ : مِمَّنْ غَابَتْ عَنْهُم كَثِيْرٌ مِنْ هَذِه الحَقَائِقِ النَّكِدَةِ، مَعَ اعْتِذَارِهِم : بحُسْنِ الظَّنِّ بِمَنِ اسْتَضَافُوْهُم، وقَدَّمُوْهُم للجَمَاهِيْرِ!، فَنَقُوْلُ لَهُم باخْتِصَارٍ :
ـ إنَّ مَا ذَكَرْنَاه مِنْ مُغَالَطَاتٍ شَرْعِيَّةٍ عِنْدَ أصْحَابِ الدَّعَوَاتِ المُوَظَّفَةِ، لَهُوَ كَافٍ فِي اتِّخَاذِكُم مَوْقِفًا فَاصِلاً، لا يَقْبَلُ التَّرَدُّدَ إنْ شَاءَ اللهُ، ومَا ذَاكَ إلاَّ لِحُسْنِ ظَنِّ الأمَّةِ بِكُم !
ـ إنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ ( وللهِ الحَمْدُ ) لَمْ تَنْخَدِعْ بَعْدُ بأصْحَابِ الدَّعَوَاتِ الضَّعِيْفَةِ؛ بَلْ قَدِ اتَّخَذَتْ مِنْهُم مَوْقِفًا مُخَالِفًا، لعِلْمِها أنَّها قَدْ خَذَلَتِ الأمَّةَ أكْثَرَ مِنْ كَوْنِها نَصَرَتْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا تَفْرَحُوا باسْتِضَافَةِ أصْحَابِ هَذِه الدَّعَوَاتِ العَائِمَةِ فَوْقَ بَرَاكِيْنَ مُتَضَارِبَةٍ، ولا يَهُوْلنَّكُمْ مَا هُمْ فِيْه مِنْ ظُهُوْرٍ وقُصُوْرٍ!، فالظُّهُوْرُ هُوَ مَا كَتَبَهُ اللهُ فِي القُلُوْبِ، والقُصُوْرُ مَا بَنَتْه لَكُمُ الأمَّةُ فِي قُلُوْبِها، فاحْذَرُوا إذَنْ !
ـ إنَّ الأمَّةَّ الإسْلامِيَّةَ لَمْ تَزَلْ تُحْسِنُ الظَّنَّ بِكُم، فاللهَ اللهَ أنْ تَخْذُلُوا حُسْنَ ظَنِّهِم فِيْكُم !
* * *
وأخِيْرًا؛ فإنَّ النَّكَسَاتِ التَّارِيْخِيَّةَ الَّتِي تَمُرُّ بِهَا الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ هَذِه الأيَّام كَثِيْرَةٌ جِدًّا، فَهِي لا تَزَالُ بَعْدُ تَطِلُّ برَأسِها بَيْنَ الحِيْنِ والآخَرِ، حَيْثُ أخَذَ بَعْضُها برِقَابِ بَعْضٍ فِي سِلْسِلَةٍ نَكِدَةٍ مِنَ النَّكَسَاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ التَّائِهَةِ فِي بَيْدَاءَ سَحِيْقَةٍ، ومَهَاوِي غَائِرَةٍ، فأنَّى لَهَا التَّنَاوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيْدٍ؟!، فَعَيْنُ اللهِ تَنْظرُ، وأقْلامُ الغُيُرِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ تَرْصُدُ، والتَّارِيْخُ شَاهِدٌ لا يَمَلُّ ولا يَفْتَرُ، لِذَا اكْتَفَيْتُ بِمَا أجْرَاهُ القَلَمُ هُنَا، وبِمَا جَادَتْ بِهَا الذَّاكِرَةُ مِنْ قَرِيْبٍ .
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِه الأمِيْنِ، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه


(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


MySpace

MySpace

image hosting file

image hosting file