* * *
النَّكْسَةُ الثَّانِيَةُ
مُنَاصَرَةُ اصْطِلاحَاتِ أهْلِ الكُفْرِ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ !
إنَّ عَدَاءَ أهْلِ الكُفْرِ للمُسْلِمِيْنَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى مَرِّ التَّارِيْخِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : "ولَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتَّهم …"، لِذَا نَجِدُهُم قَدْ تَنَوَّعُوا فِي تَسْرِيْبِ عَدَاوَاتِهِم ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ مَا بَيْنَ مُخَطَّطَاتٍ خَبِيْثَةٍ، ومُصْطَلَحَاتٍ كُفْرِيَّةٍ إلْحَادِيَّةٍ … فَمَا نَحْنُ والكُفَّارُ إلاَّ كَرَجُلَيْنِ : أحَدُهُما : يَأمُرُ ويُمْلِي، والآخَرُ : يُنَفِّذُ ويُحَلِّلُ!
فَحَسْبُكَ أنَّ أهْلَ الكُفْرِ مِنْ زَمَنٍ بَعِيْدٍ، وهُم يُخَطِّطُوْنَ ونَحْنُ نُنَفِّذُ، وهُم يَتَقَاذَفُوْنَ مُصْطَلَحَاتٍٍ ونَحْنُ نُعَرِّفُ ونُحَلِّلُ بعدُ حتَّى سَاعَتِي هَذِه !
فانْظُرْ مَثَلاً : مُخَطَّطَاتُ خُبَثَاءِ صِهْيَوْنَ، قَدْ كُتِبَتْ مُنْذُ سِنِيْنَ طَوِيْلَةٍ، ونَحْنُ مَا زِلْنَا نُنَفِّذُها حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ .
أمَّا مُصْطَلَحَاتُهُم فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا : كالعِلْمَانِيَّةِ، والمَاسُوْنِيَّةِ، والحَدَاثَةِ، والدِّيْمُقْرَاطِيَّةِ … إلخ، أمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ لَنَا مَعَ هَذِه المُصْطَلَحَاتِ إلاَّ التَّعْرِيْفَاتِ، والتَّحْلِيْلاتِ حَسْبُ؛ بَلْ أمْثَلُنا طَرِيْقَةً، وأفْضَلُنا تَفْكِيْرًا مَنْ أغْرَقَ الكَلامَ، وأوْسَعَ الخِطَابَ فِي تَعْرِيْفِ وتَحْلِيْلِ هَذِه المُصْطَلَحَاتِ خَطًّا كَانَ، أو لَفْظًا !
يُوَضِّحُه؛ أنَّ مُصْطَلَحَ "العِلْمَانِيَّةِ" قَدْ أخَذَ مَسَاحَةً كَبِيْرَةً مِنَ المُحَلِّلِيْنَ، والمُفَكِّرِيْنَ منَّا!، فَمِنْهُم مَنْ يَقُوْلُ : إنَّهَا فَصْلُ الدِّيْنِ عَنِ الحَيَاةِ، وقَائِلٌ : إنَّها حَصْرُ الدِّيْنِ فِي المَسْجِدِ، وقَائِلٌ : إنَّها فَصْلُ الدِّيْنِ عَنِ السِّيَاسَةِ … وآخَرُ يَقُوْلُ : إنَّ كَلِمَةَ "العِلْمَانِيَّةِ" بفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وقَائِلٌ : بكَسْرِها، وقَائِلٌ : بجَوَازِ الوَجْهَيْنِ !
أمَّا مُصْطَلَحُ "العَوْلَمَةِ" فَحَدِّثْ ولا حَرَجَ، قَدْ طَالَ ذَيِلُها، وقَلَّ نَيْلُها؛ حَتَّى مَلَّها النَّاسُ أجْمَعِيْنَ، وهَكَذَا فِيْمَا سِوَاهَا.
* * *
فنَحْنُ وهُم؛ لرُبَّمَا نَخْتَلِفُ شَيْئًا مَذْكُوْرًا فِي تَعْرِيْفِ هَذِه المُصْطَلَحَاتِ الكُفْرِيَّةِ، الَّتِي أمْلَتْهَا مَكَائِدُ أهْلِ الكُفْرِ عَلَيْنَا، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ أصْحَابَ هَذِه المُصْطَلَحَاتِ قَدْ تَرَكُوا لَنا مَسَاحَةً لا بَأسَ بِهَا فِي المُشَارَكَةِ الإنْسَانِيَّةِ لتَرْوِيْضَ عُقُوْلِنا فِي تَعَارِيْفِ وتَحَالِيْلِ مُصْطَلَحَاتِهِم !
ونَحْنُ؛ وإنْ كُنَّا نَشْكُرُ هَذِه اللَّفْتَةَ الإنْسَانِيَّةَ مِنْ أهْلِ الكُفْرِ عَلَى مُرَاعَاةِ تَرْوِيْضِ قَرَائِحِنا الفِكْرِيَّةِ، إلاَّ أنَّنا لا نَرْضَى لَهُم أنْ يُخَطِّؤنا فِيْمَا انْتَهَيْنَا إلَيْه مِنْ تَعَارِيْفَ وتَحْلِيْلاتٍ؛ لأنَّنا لَمْ نَكُ فِي الحَقِيْقَةِ سِوَى مُتَرْجِمِيْنَ لِمَا كَتَبُوه فِي مَثَانِي كُتُبِهِم، فإنْ لَمْ يَكُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلا أقَلَّ مِنْ كَوْنِنا كَتَبْنا مَا تَرْجَمَتْه أعْمَالُهُم : فِي بِلادِنا، وأفْكَارِنا، وجَمِيْعِ شُؤونِنا!، فَنَحْنُ؛ إذَنْ إمَّا صَادِقُوْن أو مُصَدَّقُوْنَ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ .
* * *
وأخِيْرًا؛ فَلَيْتَ شِعْرِي لَو أنَّنا وَقَفْنا جَمِيْعًا عِنْدَ تَعْرِيْفِ هَذِه ( المُعَرَّفَاتِ ! ) مِنَ المُصْطَلَحَاتِ الكُفْرِيَّةِ، الَّتِي قَدْ يَشُوبُها شَيْءٌ مِنَ الخَلافِ ( اللَّفْظِي )، إلاَّ أنَّنا ( للأسَفِ ) قَدْ أجْرَيْنا بَيْنَنا خِلافًا (مَنْكُوسًا) فِي مُصْطَلَحٍ جَدِيْدٍ قَدْ أمْلاه عَلَيْنا أهْلُ الكُفْرِ إمْلاءً وَاضِحًا لَفْظًا ومَضْمُونًا؛ حَيْثُ لَمْ يَدَعُوا لَنا مَسَاحَةً للتَّفْكِيْرِ، أو حَتَّى للتَّعْبِيْرِ، ومَا ذَاكَ إلاَّ لكَوْنِ هَذَا المُصْطَلَحِ الحَادِثِ عِنْدَهُم لا يَقْبَلُ تَحْرِيْفًا أو تَأوِيْلاً؛ بَلْ هُم قَدْ صَاغُوْه، وسَيَفْعَلُوْنَه أبَيْنَا أم ارْتَضَيْنا؟!، فَهُم لا يَحْتَاجُوْنَ منَّا إلاَّ أنْ نُرَدِّدَ المُصْطَلَحَ أوَّلاً، وأنْ نُشَارِكَ فِي تَطْبِيْقِه حَذْوَ الشَّعْرَةِ بالشَّعْرَةِ ثانِيًا، سَوَاءٌ عَرَفْنَاه أو جَهِلْنَاه، إنَّه مُصْطَلَحُ العَصْرِ : " الإرْهَابُ " !
فالقَوْمُ قَدْ أمْلَوْهُ عَلَى مَسَامِعِ الدُّنْيا، وأذَاعُوْه فِي قَنَوَاتِ العَالَمِ، وقَالُوا مِلْء أفواهِهِم : إنَّه مُحَارَبَةُ المُسْلِمِيْنَ، ونَخُصُّ مِنْهُم المُجَاهِدِيْنَ !
فَلَمْ يَكُنْ مِنَ البَشَرِيَّةِ جَمِيْعًا بَعْدَ اليَوْمِ إلاَّ أنْ تَعْتَرِفَ بِهَذا المُصْطَلَحِ (مَبْنىً ومَعْنىً، لَفْظًا ومَضْمُوْنًا)، دُوْنَ عَرْضِ رَأيٍ، أو تَوْضِيْحِ مُشْكِلٍ، أو بَيَانِ غَرِيْبٍ !
* * *
ومَعَ احْتِرَامِ العَالَمِ كُلِّهِ ( كَافِرِهِم ومُسْلِمِهِم ) لِهَذا الوُضُوْحِ والبَيَانِ، الَّذِي قُطِعَ فِيْه قَوْلُ كُلِّ خَطِيْبٍ، وأُسْكِتَ فِيْه كُلُّ تَفْكِيْرٍ وتَحْلِيْلٍ؛ إذْ بِنَا نَجِدُ بَعْضَ عُلَمَاءِ زَمَانِنا ( للأسَفِ ) يُرَدِّدُوْنَ هَذَا المُصْطَلَحِ كالأبْوَاقِ المُزْعِجَةِ، رَامِيْنَ مَا أمْلَتْهُ وأوْضَحَتْهُ الصَّحَافَةُ العَالَمِيَّةُ مِنْ تَعْرِيْفٍ وتَوْضِيْحٍ لـ(لإرْهَابِ) وَرَاءَ ظُهُوْرِهِم عُرْضَ الحَائِطِ، مُنَدِّدِيْنَ بقُوَّةٍ وحَمِيَّةٍ ( إسْلامِيَّةٍ ! ) بمُحَارَبَةِ (الإرْهَابِ)، وتَعْزِيْزِ مَوَاقِفَ وقَرَارَاتِ أهْلِ الكُفْرِ فِي مُحَارَبَةِ (الإرْهَابِ)، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ فَتْوَى مُغْتَصَبَةٍ، أو خِطَابٍ عَبْرَ المِذْيَاعِ، أو خُطْبَةٍ مِنْ فَوْقَ مِنْبَرِ النِّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ!، فيَا لِعُقُوْلِ المُسْلِمِيْنَ أيْنَ ذَهَبَتْ ؟!
واللهِ ثُمَّ واللهِ!؛ لَو عُرِضَتْ كَلِمَةُ مُحَارَبَةِ : (الإرْهَابِ) الَّتِي يُرَدِّدُها الغَرْبُ الكَافِرُ عَلَى عَجَائِزِ نَيْسَابُوْرَ، أو عَلَى زُنُوْجِ أدْغَالِ إفْرِيْقِيا لَقَالُوا دُوْنَ شَكٍّ أو ارْتِيابٍ : إنَّهُم يُرِيْدُوْنَ مُحَارَبَةَ المُجَاهِدِيْنَ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ !
أمَّا عُلَمَاءُ زَمَانِنا، فيَاللْمُصِيْبَةِ، ويالِلَّطِيْمَةِ؛ فَلا أدْرِي هَلْ أُصِيْبُوا بالجُنُوْنِ، أو بإعَاقَةٍ فِكْرِيَّةٍ مَا لَهَا مِنْ رَاقٍ، أو أنَّ القَوْمَ فَرَاشُ نَارٍ، وذُبَابُ طَمَعٍ؛ قَدْ أسَرَتْهُم السِّيَاسَةُ الطَّاغُوْتِيَّةُ، تَحْتَ رِقِّ عُبُوْدِيَّةِ الجَاهِ والمَالِ ؟!، إنِّها أسْئِلَةٌ؛ سَيُجِيْبُ عَنْها التَّارِيْخُ، عَاجِلاً أو آجِلاً، واللهُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ، ومَا تُخْفِي الصُّدُوْرِ !
* * *
النَّكْسَةُ الثَّالِثَةُ
اتِّفاقُ العَوَامِ، واخْتِلافُ العُلَمَاءِ !
لَقَدْ بَاتَ مِنَ الضَّرُوْراتِ العَقْلِيَّةِ، والمُسَلَّمَاتِ الدِّيْنِيَّةِ، والأعْرَافِ الوَضْعِيَّةِ : أنَّ العُلَمَاءَ أيًّا كَانُوا ( مُسْلِمِيْنَ أو كَافِرِيْنَ ) هُمْ للإجْتِمَاعِ والائْتِلافِ أقْرَبُ مِنْهُم مِنَ العَامَّةِ الجُهَلاءِ فِي الجُمْلَةِ، وهَذا أمْرٌ لا يَحْتَاجُ إلى تَدْلِيْلٍ أو تَوْضِيْحٍ .
فإذَا عُلِمَ هَذَا؛ فَلَنا أنْ نُفْصِحَ عَنْ نَكْسَةٍ تَارِيْخِيَّةٍ مَا لَهَا سَابِقَةٌ، قَدْ مَرَّتْ بِها الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ مَرَّ السَّحَابِ، حَامِلَةً فِي جَنَباتِهِا فَوْضَى فِكْرِيَّةً، وفَتَاوَى إرْتِجَالِيَّةً، وأقْوَالاً عَصِيَّةً، وهُوَ مَا حَدَثَ فِي هَذِه الأيَّامِ مِنْ مَوَاقِفَ مُتَبايِنَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ، لا صِلَةَ بَيْنَها إلاَّ الاسْتِنْكَارُ والإنْكَارُ، وهُوَ مَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ وبَيْنَ عَامَّتِهِم، وذَلِكَ فِي تَصَوُّرِ الوَاقِعِ، وبَيَانِ الحَقِّ، فإنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَقَعُ شَرْعًا وطَبْعًا؛ إلاَّ أنَّ المُصِيْبَةَ كُلَّ المُصِيْبَةِ إذَا عَلِمْنَا أمْرَيْنِ مُنْكَرَيْنِ :
الأوَّلُ مِنْهُما : أنَّ الحَقَّ المُتَنَازَعُ عِنْدَه فِي هَذِه القَضَايا المَصِيْرِيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ بالأمُّةِ هَذِه الأيَّامُ كَانَ حَلِيْفَ العَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ولا يَهُوْلنَّكَ هَذَا؛ فإنَّه لَمْ يَكُنْ مِنْ بَسْطَةِ عِلْمٍ عِنْدِ العَامَّةِ؛ بَلْ كَانَ هَذَا مِنْهُم بدَافِعِ : أنَّ الخِلافَ هُنا كَانَ وَاقِعًا فِي أمُوْرٍ مَعْلُوْمَةٍ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُوْرَةِ، مِمَّا لا تَحْتَاجُ إلى كَبِيْرِ عِلْمٍ، وهَذا ثَانِيْهِما، ومِثَالُ ذَلِكَ مَا يَلِي :
1ـ لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُلُوْبُ العَامَّةِ عَلَى تَكْفِيْرِ كُلِّ مَنْ وَالَى ونَاصَرَ الكُفَّارَ ( إمْرِيْكا وحُلَفَاءها ) ضِدَّ إخْوَانِهم المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ، والعِرَاقِ وغَيْرِهِما، فِي حِيْنَ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ العُلَمَاءِ فِي هَذِه المَسْألَةِ مَا بَيْنَ مُخَالِفٍ وخَائِفٍ !
2ـ لَقَدْ شُفِيَتْ صُدُوْرُ العَامَّةِ عِنْدَ تَحْطِيْمِ بُرْجَيْ نِيُورْكْ فِي إمْرِيْكا، وتَمْرِيْغِ كِبْرِيائِها فِي التُّرَابِ، فِي حِيْنَ ضَاقَتْ صُدُوْرُ بَعْضِ العُلَمَاءِ؛ بَلْ وَصَلَ الحَالُ عِنْدَ بَعْضِهِم أنْ قَالَ : لا يَجُوْزُ الفَرَحُ والتَّشَفِي لِمَا حَصَلَ فِي بِلادِ أمْرِيكا الَّتِي كَانَتْ رَأسًا فِي كُلِّ حَرْبٍ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ!، عِلْمًا أنَّ الفَرَحَ بتَحْطِيْمِ وتَمْرِيْغِ أنْفِ إمْرِيكا كَانَ مَحَلَّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ البَشَرِيَّةِ ( مُسْلِمِهِم وكَافِرِهِم ) !
3ـ لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُلُوْبُ وصُفُوْفُ العَامَّةِ عَلَى اللَّعْنِ والدُّعَاءِ عَلَى أهْلِ الكُفْرِ؛ لاسِيَّمَا إمْرِيكا وحُلَفَائِها، فِي حِيْنَ اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى العُلَمَاءِ فِيْها !
4ـ لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُلُوْبُ وجُهُوْدُ العَامَّةِ عَلَى مُقَاطَعَةِ بَضَائِعَ أهْلِ الكُفْرِ؛ لاسِيَّمَا بَضَائِعَ إمْرِيْكا وحُلَفَائِها، فِي حِيْنَ اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى ومَوَاقِفُ العُلَمَاءِ فِيْها!، فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنْظُوْمَةِ النَّكَسَاتِ التَّارِيْخِيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ بِها الأمَّةُ الإسْلامِيَّةِ هَذِه الأيَّامِ الحَرِجَةِ .
* * *
فالعَامَّة فِي هَذِه المَوَاقِفِ كَانُوا أكْبَرَ عَقْلاً، وأثْبَتَ مَوْقِفًا، وأعْلَمَ حُكْمًا؛ كَمَا أنَّهُم كَانُوا مُؤتَلِفِيْنَ مُجْتَمِعِيْنَ وقْتَئِذٍ، فِي حِيْنَ اضْطَرَبَتْ مَوَاقِفُ وفَتَاوَى بَعْضِ عُلَمَاءِ زَمَانِنا ( للإسْفِ )، كَمَا افْتَرَقَتْ كَلِمَتُهُم شَذَرَ مَذَرَ!، ومَا ذَاكَ ( واللهُ أعْلَمُ ) إلاَّ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَنَقَتْهُم الضُّغُوْطُ السِّيَاسِيَّةُ، واحْتَوَشَتْهُم المَنَاصِبُ الدِّنْيَوِيَّةِ!، إنَّها واللهِ النَّكْسَةُ التَّارِيْخِيَّةُ، فَهَلْ لِهَذِه القَاصِمَةِ مِنْ عَاصِمَةٍ ؟!
* * *
النَّكْسَةُ الرَّابِعَةُ
البُكَاءُ عَلَى دِمَاءِ كُفَّارِ الغَرْبِ دُوْنَ دِمَاءِ المُسْلِمِيْنَ !
لَقَدْ جَادَتْ عُيُوْنٌ بالبُكَاءِ وأجْهَشَتْ عَلَى مَا حَصَلَ فِي ( إمْرِيْكا ! ) مِنْ تَحْطِيْمٍ للأبْرَاجِ، ومَا حَصَلَ مِنْ مَوْتٍ فِي شُعُوْبِهِم … حَتَّى وَصَفَ بَعْضُهم الحَالَ كَأنَّه : مَشْهَدٌ لِيَوْمِ القَيَامَةِ!، وآخَرُ مَا بَرِحَ أنْ ارْتَقَى مِنْبَرَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُجَعْجِعًا مُجَرِّماً مَا حَصَلَ لإمْرِيْكا، وآخَرُ : نَادَي بعُقُوْبَةِ كُلِّ مَنْ كَانَ وَرَاءَ هَذِه الأعْمَالِ ( الإرْهَابِيَّةِ ! )، وآخَرُ : وَصَفَ الحَرْبَ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ بأنَّها حَرْبٌ عَادِلةٌ نَظِيْفَةٌ كَانَتْ لاسْتِأصَالِ ( الإرْهَابِيِّيْنِ )، والمُخَرِّبِيْنَ لأمْنِ البَشَرِيَّةِ أجْمَعَ، وآخَرُ، وآخَرُ …!
* * *
فِي حِيْنَ لَمَّا قَامَ أهْلُ الكُفْرِ وعَلَى رَأسِهِم إمْرِيْكا بِحَرْبِ إخْوَانِنا المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ مُسْتَبِيْحِيْنَ العِبَادَ والبَلادَ، هَالِكِيْنَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، مُسْتَخْدِمْيِنَ جَمِيْعَ الأسْلِحَةِ المَحْظُوْرَةِ ( دُوَليًّا !)، حَيْثُ قَتَلُوا الأُلُوْفَ مِنَ النِّسَاءِ والأطْفَالِ، ودَمَّرُوا المُدُنَ والمُنْشَأتِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَالَتْ دِمَاءُ الأبْرِيَاءِ، وتَرَمَّلَتِ النِّسَاءُ، وأُتِّمَ الأطْفَالُ … !
* * *
إلاَّ أنَّنا عِنْدَ هَذِه الحَمْلَةِ الشَّرِسَةِ البَرْبَرِيَّةِ الصَّلِيْبِيَّةِ عَلَى المُسْلِمِيْنَ هُنَا وهُنَاكَ لَمْ نَرَ مِنْهُم دُمُوْعًا ثَكْلَى، ولَمْ نَسْمَعْ أصْوَاتًا غَيُوْرَةً، لا فِي فَتَاوَى سَائِرَةٍ، ولا مِنْ فَوْقِ مَنَابِرَ ثَائِرَةٍ !، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ القَوْمَ (للأسَفِ) يَدُوْرُوْنَ فِي فَلَكِ الوَظَائِفِ الحَكُوْمِيَّةِ، فَلَيْسَ للأجِيْرِ مِنْهُم مِنَ الأجْرَةِ إلاَّ بقَدْرِ عَمَلِه، كَمَا لَيْسَ لَهُم أيْضًا حَقُّ العَمَلِ إلاَّ بِمَا يَشْتَرِطُه المُسْتَأجِرُ ( بلِسَانِ الحَالِ ! )، فَهَلْ لِهَذِه النَّكْسَةِ مِنْ عَاصِمٍ؟!
* * *
النَّكْسَةُ الخَامِسَةُ
غَفْلَةُ أكْثَرِ حُكَّامِ المُسْلِمِيْنَ عَمَّا يُرَادُ بِهِم وببِلادِهِم !
لَقَدْ عَلِمَ القَاصِي والدَّانِي أنَّ الجُيُوْشَ الصَّلِيْبِيَّةَ ( الأمْرِيْكِيَّةَ والبِرِيْطَانِيَّةَ ) قَدْ جَثَتْ فِي جَزِيْرَةِ العَرَبِ، رَابِضَةً بَيْنَ دُوَلِ الخَلِيْجِ مُسْتَصْحِبَةً مَعَها أقْوَى أسْلِحَتِها الحَرْبِيَّةِ، مِنْ طَائِرَاتٍ ودَبَّابَاتٍ، وسُفُنٍ … مِمَّا يَكْفِي بَعْضُها لاحْتِلالِ ودَمَارِ دُوَلِ الخَلِيْجِ !
* * *
كَمَا أنَّها لَمْ تَكْتَفِ بِهَذا؛ بَلُ رَسَّخَتْ قَوَاعِدَها الحَرْبِيَّةَ، ووَطَّنَتْ جُيُوْشَها الصَّلِيْبِيَّةَ الغَازِيَةَ هُنَا وهُنَاك ـ فَلَيْسَتْ دَوْلَةُ قَطَرٍ عَنْ العَالَمِ بخَاف ـ فعِنْدَ ذَلِكَ علم عقلاء الدنيا بما وراء هذه الجموع الحربية!؛ لِذَا قَامَتْ دُوَلُ العَالَمِ جَمِيْعًا تُنَدِّدُ، وتَسْتَنْكِرُ، وتُحَذِّرُ، وتَتَوَعَّدُ هَذِه الهَجْمَةَ الإمْرِيْكِيَّةَ الشَّرِسَةَ نَحْوَ العِرَاقِ، فمِنْهُم مَنْ : أخَذَ الحَيْطَةَ والحَذَرَ، ومِنْهُم مَنْ حَرَّكَ أسَاطِيْلَه وطَائِرَاتَه ونَظَّمَ جُيُوْشَه اسْتِعْدَادًا لهُجُوْمٍ مُحْتَمَلٍ، وآخَرُ : مَنْ تَحَالَفَ وأبْرَمَ عُقُوْدًا ليَتَقَوَّى بِهَا مِنْ مَخَاطِرَ هَذِه الحَرْبِ الشَّرِسَةِ … وهَكَذَا مَا زَالَ العَالَمُ فِي حَرَكَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، فالحَرْبُ وَشِيْكَةٌ، والأيَّامُ تَتَمَخَّضُ بمَوْلُوْدٍ مُشَوَّهٍ مَمْسُوْخٍ !
* * *
أمَّا إذَا سَألْتَ عَنْ حُكَّامِ أكْثَرِ بَلادِ المُسْلِمِيْنَ؛ فَشَيْءٌ لا يُحْسَدُ عَلَيْه، فَهْم مَا بَيْنَ : مَسَارِحَ غِنَائِيَّةٍ، أو مُسَابَقَاتٍ رِيَاضِيَّةٍ، أو غَفْلَةٍ قَاتِلَةٍ … وكَأنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ !
عِلْمًا أنَّ العَالَمَ بأسْرِهِ يَعْلَمُ أنَّ الهَجْمَةَ الصَّلِيْبِيَّةَ ( الأمْرِيْكِيَّةَ والبِرِيْطَانِيَّةَ ) لا تُرِيْدُ بالدَّرَجَةِ الأوْلَى سِوَى دُوَلِ الخَلِيْجِ، فِي حِيْنَ أنَّ أصْحَابَ الحَرْبِ الصَّلِيْبِيَّةَ قَدْ أفْصَحُوا للعَالَمِ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ خُطَطِهِم الاسْتِعْمَارِيَّةِ فِي تَقْسِيْمِ المَنْطَقَةِ، ابْتِدَاءً بالعِرَاقِ، ثُمَّ سُوْرِيا، ثُمَّ إيْرَانَ، ثُمَّ … !، وبَعْدَ هَذَا؛ فَهَلْ لهَذِه النَّكْسَةِ التَّارِيْخِيَّةِ مِنْ عَاصِمٍ ؟!
* * *
النَّكْسَةُ السَّادِسَةُ
السُّكُوْتُ عَمَّا أجْمَعَتْ الأمَّةُ عَلى ذِكْرِه !
إنَّ سُكُوْتَ أهْلِ العِلْمِ فِيْما تَحْتَاجُه الأمَّةُ الإسْلامِيَّةِ حَرَامٌ بالإجْمَاعِ؛ فإذَا كَانَ لا يَجُوْزُ فِي حَقِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّكُوْتُ عَنِ البَيَانِ وَقْتَ الحَاجَةِ، فَمَا تَحْتَاجُه الأمَّةُ هَذِه الأيَّامِ لَهُو أوْلَى بالبَيَانِ والتَّوْضِيْحِ مِنْ قَبْلُ، لِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُبَيِّنُوْه دُوْنَ تَأخِيْرٍ .
وعَلَيْه؛ فإنَّنا نَجِدُ كَثِيْرًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ هَذِه الأيَّامِ ( للأسَفِ ) يَتَقَاذَفُوْنَ مَسَائِلَ خِلافِيَّةً، مَا بَيْنَ مُنَاظَرَاتٍ، وخُطَبٍ، وفَتَاوَى، ومُنَاقَشَاتٍ، ومُحَاوَرَاتٍ عَبْرَ القَنَوَاتٍ الإعْلامِيَّةِ وغَيْرِها … كُلَّ ذَلِكَ فِي الوَقْتِ الَّذِي تَمُرُّ فِيْه الأمَّةُ بفِتَنٍ مُهْلِكَةٍ، ونَوَازِلَ مَصِيْرِيَّةٍ؛ لِذَا كَانَ بَيَانُها عَلَى أهْلِ العِلْمِ مِنْ أهَمِّ الوَاجِبَاتِ .
* * *
فمِنْ ذَلِكَ باخْتِصَارٍ :
1ـ الإغْرَاقُ فِي الكَلامِ عَنْ فَرْضِيَّةِ الجِهَادِ، هَلْ هِي عَيْنِيَّةٌ أمْ كِفَائِيَّةٌ ؟، فِي حِيْنَ نَجِدُهُم سَاكِتِيْنَ عَنْ حُكْمِ الإعْدَادِ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ فِيْه اثْنَانِ لا سِيَّمَا هَذِه الأيَّامِ الحَرِجَةِ، وسُكُوْتُهُم عَنْ فَضْلِ الجِهَادِ وأهَمِّيَتِه ( بغَضِّ الطَّرْفِ عَنْ كَوْنِه عَيْنِيًا أو كِفَائِيًا )؛ بَلْ لا أبَالِغُ إذَا قُلْتُ : إنَّ كَثِيْرًا مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِنا نَرَاه لا يَتَكَلَّمُ عَنْ أدِلَّةِ فَضْلِ الجِهَادِ، ولا يُحَرِّضُ عَلَيْه؛ لا مِنْ قَرِيْبٍ ولا مِنْ بَعِيْدٍ؛ خَوْفًا عَلَى نَفْسِه مِنْ أنْ يُصَنَّفَ مِنَ الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ بِوُجُوْبِ الجِهَادِ العَيْنِي، فعِنْدَ ذَلِكَ سَيَخْسَرُ الجَاهَ الَّذِي بَنَاهُ تَحْتَ ظِلِّ الوَظَائِفِ الحَكُوْمِيَّةِ!
2ـ إغْرِاقُهُم فِي الَّذِيْنَ كَانُوا وَرَاءَ أبْرَاجِ إمْرِيْكا، ( أهُمْ يَهُوْدُ، أم مُسْلِمُوْنَ ؟ )، والسُّكُوْتِ فِي الوَقْتِ نَفْسِه عَمَّا تَفْعَلُه إمْرِيْكا فِي مُسْلِمِي أفْغَانِسْتَانَ، فيَا للحِكْمَةِ !
3ـ إغْرَاقُهُم فِي شَأنِ أصْحَابِ ( القَاعِدَةِ )، ( هَلْ أصَابُوا، أم أخْطَأوا ؟ )، والسُّكُوْتِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ أسْرَى المُسْلِمِيْنَ فِي ( كُوْبَا )، الَّذِيْنَ تَأثَمُ الأمَّةُ جَمِيْعًا بالسُّكُوْتِ عَنْهُم، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ مَشْهُوْرٌ !
* * *
النَّكْسَةُ السَّابِعَةُ
تَعْطِيْلُ الجِهَادِ !
إنَّ السُّكُوْتَ عَنِ فَضْلِ الجِهَادِ، لا سِيَّمَا والأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ أحْوَجُ مَا تَكُوْنُ إلَيْه فِي هَذِه الأيَّامِ لَهُوَ خَطَرٌ عَظِيْمٌ، وشَرٌّ مُسْتَطِيْرٌ .
فإنَّ الإمَامَ لا يَكُوْنُ إمَامًا إلاَّ بالجِهَادِ، لأنَّ الجِهَادَ مَاضِي إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، والدِّيْنُ لا يَقُوْمُ إلاَّ بِه، ويَسْتَحِيْلُ أنْ يَسْقُطَ فَرْضُه عَلَى الأمَّةِ، لأنَّ قِيَامَها بالعَمَلِ المُنَاطِ بنَشْأتِها، وعِلَّةَ وُجُوْدِها مُتَوَقِّفٌ وقَائِمٌ عَلَى الجِهَادِ .
وعَلَيْه؛ فأيُّ طَائِفَةٍ مُجْتَمِعَةٍ، ولَهَا مَنَعَةٌ فَعَلَيْها جِهَادُ أعْدَاءِ اللهِ، بقَدْرِ مَا تَسْتَطِيْعُ، إمَّا باللِّسَانِ، أو باليَدِ، أو بالقَلْبِ، وإمَّا بِهِم جَمِيْعًا؛ بَلْ ولا يَسْقُطُ عَنْها فَرْضُها بِحَالٍ .
فَكَانَ مِنْ آثَارِ ومَخَاطِرِ تَعْطِيْلِ الجِهَادِ مَا يَلِي باخْتِصَارٍ : عُلُوِّ الكُفَّارِ وهَيْمَنَتُهِم، التَّمْكِيْنُ لِحُكْمِ الطَّاغُوْتِ، اسْتِعْبَادُ العِبَادِ، إفْسَادُ الحَيَاةِ البَشَرِيَّةِ، اسْتِيْلاءُ الكُفَّارِ عَلَى ثَرَوَاتِ وخَيْرَاتِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ، ذُلُّ المُسْلِمِيْنَ وهَوَانُهم، إلْغَاءُ الخِلافَةِ وتَمْزِيْقُها، إلْقَاءُ العَدَاوَةِ والبَغْضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، الرِّضَا بالدُّوْنِ والهَوَانِ والصَّغَارِ للمُسْلِمِيْنَ، اسْتِحْقَاقُ العَذَابِ فِي الآخِرَةِ لتَفْرِيْطِهِم بوَاجِبِ الجِهَادِ، تعَطِيْلُ تبْلِيْغِ رِسَالَةِ الإسْلامِ، الاشْتِغَالُ بعُبُوْدِيَّةِ الدُّنْيا وعِمَارَتِها … إلخ، كُلُّ هَذَا ( للأسَفِ ) مَوْجُوْدٌ مُشَاهَدٌ فِي أيَّامِنا هَذِه لِكُلِّ ذِي عَيْنٍ، فإلى اللهِ المُشْتَكَى، وعَلَيْه التُّكْلانِ .
يَقُوْلُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : " فإذَا تَرَكَ النَّاسُ الجِهَادَ فِي سَبِيْلِ اللهِ، فَقَدْ يَبْتَلِيْهِم ( اللهُ ) بأنْ يُوْقِعَ بَيْنَهُم العَدَاوَةَ حَتَّى تَقَعَ بَيْنَهُم الفِتْنَةَ، فإنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَغَلُوا بالجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ جَمَعَ اللهُ قُلُوْبَهُم، وألَّفَ بَيْنَهُم، وجَعَلَ بأسَهُم عَلَى عَدُوِّ اللهِ وعَدُوِّهِم، وإذَا لَمْ يَنْفِرُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ عَذَّبَهُم اللهُ بأنْ يُلْبِسَهُم شِيَعًا، ويُذِيْقَ بَعْضَهُم بَأسَ بَعْضٍ" .
* * *
لا شَكَّ أنَّ صُوَرَ تَعْطِيْلِ الجِهَادِ كَثِيْرَةٌ جِدًّا، لا تَنْتَهِي عِنْدَ السُّلْطَانِ؛ بَلْ تَتَعَدَّاه إلى شُذُوْذَاتِ أهْلِ العِلْمِ المُرْتَكِسِيْنَ في تَفَقُّهَاتٍ مَغْلُوْطَةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ :
1ـ الاشْتِغَالُ بأمُوْرِ الدُّنْيا، وعِمَارَتِها عَنِ الجِهَادِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ في أهْلِ زَمَانِنا .
2ـ إيْذَاءُ، وحَبْسُ المُجَاهِدِيْنَ .
3ـ سَدُّ طُرُقِ الجِهَادِ أمَامَ المُجَاهِدِيْنَ .
4ـ تَشْوِيْهُ "الجِهَادِ" سَوَاءٌ بوَصْفِه : إرْهَابًا، أو حَمَاسًا، أو تَهَوُّرًا، أو طَيَاشًا … إلخ .
5ـ السُّكُوْتُ عَنْ ذِكْرِ فَضَائِلِ الجِهَادِ، وأهَمِيَّتِه، سَوَاءٌ فِي الخُطَبِ، أو النَّدَوَاتِ، أو المُحَاضَرَاتِ، أو الفَتَاوَى السّائِرَةِ .
6ـ القَوْلُ بأنَّ الجِهَادَ المَشْرُوْعَ، هُوَ مَا كَانَ دِفَاعِيًّا لا طَلَبِيًّا .
7ـ عَدَمُ الإعْدَادِ للجِهَادِ، وتَضْيِيْقُ سُبُلِه : كَنَزْعِ السِّلاحِ، ومُصَادَرَةِ كُلَّ مَا مِنْ شَأنِه سِلاحًا للجِهَادِ .
8ـ إطْلاقُ القَوْلِ بأنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ : لَيْسَتْ مُؤهَّلةً للجِهَادِ هَذِه الأيَّام .
9ـ القَوْلُ بوُجُوْبِ الكَفَاءةِ فِي العُدَّةِ، شَأنُه شَأنَ مَا عِنْدَ الكُفَّارِ الآنَ .
10ـ مَنْعُ الشَّبَابِ عَنِ الجِهَادِ بحجَّةِ التَّرْبِيَةِ والتَّصْفِيَةِ .
11ـ عَدَمُ التَّفْرِيْقِ بَيْنَ جِهَادِ الطَّلَبِ، وجِهَادِ الدَّفْعِ، مِمَّا جَنَحَ بَعْضُهم إلى القَوْلِ : بشَرْطِ إذْنِ وَلِيِّ الأمْرِ، ووُضُوْحِ الرَّايَةِ، ووُجُوْبِه الكِفَائِي دَوْمًا، وتَحْرِيْمِ العَمَلِيَّاتِ الجِهَادِيَّةِ ( الاسْتِشْهَادِيَّةِ )، … ومِنْ آخِرِ مَا سَمِعْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِم : القَوْلُ بعَدَمِ الإعْدَادِ الفَرْدِي للجِهَادِ؛ لِمَا فِيْه مِنَ الفَوْضَوِيَّةِ والخَطأ … إلخ، كُلُّ هَذا وغَيْرِه يَصُبُّ رَأسًا فِي تَعْطِيْلِ الجِهَادِ الدِّفَاعِي فِي أكْثَرِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ الآنَ!
يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : "وأمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُو أشَدُّ أنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ، ودَفْعُ الصَّائِلِ عَنِ الحُرْمَةِ والدِّيْنِ، وَاجِبٌ إجْمَاعًا، فالعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّيْنَ والدُّنْيا لا شَيْءَ أوْجَبَ بَعْدَ الإيْمَانِ مِنْ دَفْعِه، فَلا يُشْتَرَطُ لَه شَرْطٌ؛ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الإمْكَانِ، وقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ العُلَمَاءُ، أصْحَابُنا وغَيْرُهُم، فَيَجِبُ التَّفْرِيْقُ بَيْنَ دَفْعِ الصَّائِلِ الظَّالِمِ الكَافِرِ، وبَيْنَ طَلَبِه فِي بِلادِه" .
12ـ التَّفْرِيْقُ ( الوَطَنِيُّ ) بَيْنَ بِلادِ الحَرَمَيْنِ، وغَيْرِها مِنْ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ مِمَّا دَفَعَ كَثِيْرًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى عَدَمِ الاهْتِمَامِ بشَأنِ الجِهَادِ، والاعْدَادِ لَه، والتَّفَاعُلِ مَعَ إخْوَانِهم المَنْكُوْبِيْنَ هُنَا وهُنَاكَ، فِي حِيْنَ يَعْلَمُ الجَمِيْعُ أنَّه لَو هَاجَمَ كَافِرٌ بِلادَ الحَرَمَيْنِ ( حَفِظَها اللهُ مِنْ كُلِّ سُوْءٍ ) لطَارَتِ الفَتَاوَى الشَّرْعِيَّةُ مُقرِّرَةً فَرْضِيَّةَ الجِهَادِ العَيْنِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بشَرْطِه، وهَذَا حَقٌّ، ( ولَيْسَتْ أزْمَةُ الخَلِيْجِ عَنَّا ببَعِيْدٍ ) !
13ـ إغْفَالُ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ مِمَّا جَعَلَ الاهْتِمَامَ بالجِهَادِ وأحْكَامِه عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مَحْصُوْرًا بحُدُوْدٍ ضَيِّقَةٍ ( جُغْرَافِيَّةٍ )، لا تَتَعَدَّى أحْكَامُه فِي جَمِيْعِ الحَالاتِ مِنْ كَوْنِه فَرْضَ كِفَايِةِ، وبأذْنِ وَلِيِّ الأمْرِ، وفِي جَمْعِ الأمْوَالِ، والدُّعَاءِ للمُسْلِمِيْنَ … إلخ .
14ـ اتَّهَامُ الجِهَادِ ( والمُجَاهِدِيْنَ ) بأنَّه سَبَبٌ فِي تَأخِيْرِ الدَّعْوَةِ إلى اللهِ تَعَالَى، ونَشْرِ الإسْلامِ، فِي غَيْرِ ذَلِك مِنْ صُوَرِ تَعْطِيْلِ الجِهَادِ الإسْلامِي؛ المُغَلَّفَةِ باسْمِ "فِقْهِ الوَاقِعِ"، ومَا هِي فِي الحَقِيْقَةِ إلاَّ "الفِقْهُ الوَاقِعُ" .
* * *
النَّكْسَةُ الثَّامِنَةُ
زَعْزَعَةُ ثِقَةِ العُلَمَاءِ فِي قُلُوْبِ العَامَّةِ !
إنَّ زَعْزَعَةَ ثِقَةِ وَهَيْبَةِ العُلَمَاءِ فِي قُلُوْبِ أكْثَرِ العَامَّةِ، مَا عَرَفْنَاه مُنْذُ بِدَايَةِ الإسْلامِ حَتَّى سَاعَتِي هَذِه إلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخَيْنِ : ابنِ بازِ، والعُثَيْمِيْنَ ـ رَحِمَهُمَا اللهُ ـ، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ نَابِتَةً مِنْ أهْلِ العِلْمِ ظَهَرَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِيْنِ، حَامِلَةً مَعَهَا فَتَاوَى وأحْكَامًا شَرْعِيَّةً مُخَالِفَةً لِمَا كَانَ سَائِرًا ومَشْهُوْرًا عِنْدَ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ؛ بَلْ كَانَتْ مُصَادِمَةً لِمَا أفْتَى بِه الشَّيْخَانِ، وهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِه مَحَلُّ رِيْبَةٍ وشَكَكٍ عِنْدَ العَامَةِ، كَمَا أنَّ الأمْرَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ ( المَشْبُوْهِ )؛ بَلْ سُرْعَانَ مَا قَطَعَ هَؤلاءِ العُلَمَاءِ ( الجُدُدِ ! ) مَا بَقِيَ مِنْ شَكٍّ، أو تَسَاؤلٍ عِنْدَ العَامَّةِ، وذَلِكَ حِيْنَمَا خَاضُوْا نَوَازِلَ هَوْجَاءَ بسَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْها تَكْفِي فِي جَرِّ الأمَّةِ إلى مَهَاوِي مُظْلِمَةٍ، وذَلِكَ عِنْدَمَا تَسَابَقُوا فِي : تَحْلِيْلِ بَعْضِ صُوَرِ الرِّبا، ومُوَالاةِ الإمْرِيْكانِ وحُلَفَائِها ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ، وتَجْرِيْمِ المُجَاهِدِيْنَ، ومُحَارَبَةِ الإرْهَابِ، وإبَاحَةِ التَّأمِيْنِ التِّجَارِي، وجَوَازِ الذَّهَابِ للسَّحَرَةِ ( للضَّرُوْرَةِ ! ) … إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَكَسَاتِهِم العِلْمِيَّةِ !، فَهَلْ لِهَذِه القَوَاصِمِ مِنْ عَوَاصِمَ ؟!
* * *
النَّكْسَةُ التَّاسِعَةُ
تَقْدِيْمُ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ أسْرَى للكُفَّارِ !
ومِنْ نَكَسَاتِ ونَحَسَاتِ أهْلِ زَمَانِنا مَا يَقُوْمُ بِه كَثِيْرٌ مِنَ المُنَافِقِيْنَ الخَائِنِيْنَ؛ سَوَاءٌ كَانُوا عَلَى مُسْتَوَى الدُّوَلِ أو الأفْرَادِ؛ وذَلِكَ بقَبْضِهِم عَلَى أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ مِنَ المُجَاهِدِيْنَ وتَقْدِيْمُهُم قَرَابِيْنَ (ضَمَانِيَّةً !) لأهْلِ الكُفْرِ مِنَ الصَّلِيْبِيِّيْنَ ( الإمْرِيْكان ) وغَيْرِهِم !
إنَّ مِثْلَ هَذَا الفِعْلِ يُعْتَبَرُ رِدَّةً عَنِ الإسْلامِ، ومُكَاشَفَةً للنِّفَاقِ الاعْتِقَادِي، ( عَيَاذًا باللهِ )، يَوْمَ يَعْلَمُ الجَمِيْعُ أنَّ هَذا التَّصَرُّفَ مِنْهُم يُعَدُّ مِنْ أبْلَغِ صُوَرِ المُوَالاةِ والمُنَاصَرَةِ للكُفَّارِ عَلَى إخْوَانِهِم المُسْلِمِيْنَ مِنَ المُجَاهِدِيْنَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِيْنَ خَالَفَ فِي هَذا؛ إلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَخَانِيْثِ المُرْجِئَةِ !
* * *
لعُمْرُ اللهِ؛ لَو عَلِمَ هَؤلاءِ ( المُرْتَزَقَةُ ) مَا للمُجَاهِدِيْنَ مِنْ مَكَانَةٍ شَرْعِيَّةٍ عِنْدَ اللهِ، ومَحَبَّةٍ قَلْبِيَّةٍ عِنْدَ عِبَادِ اللهِ، لَعَلِمُوا يَقِيْنًا : أنَّهُم البَصَرُ والبَصِيْرَةُ، ومَلاذُنا ( بَعْدَ اللهِ ) إذَا اشْتَدَّتِ الخُطُوْبُ، وسِلاحُنَا أمَامَ العَدُوِّ، فَهُم رَصِيْدُ الأمَّةِ، ورَأسُ القِمَّةِ، وعُلوُّ الهمَّةِ، لا نَقْبَلُ فِيْهِم بَدِيْلاً، ولا نَرْضَى عَلَيْهم مَقِيْلاً !
ومَا مَثَلُهم ومَثَلُنا؛ إلاَّ كَرَجُلٍ شُجَاعٍ قَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ أبْنائِه الصِّغَارِ، وبَيْنَ سِبَاعٍ مُفْتَرِسَةٍ كَاسِرَةٍ … فَهُوْ لَمْ يَألُ جُهْدًا فِي دَفْعِ السِّبَاعِ عَنْهُم بِكُلِّ مَا يِمْلِكُ .. فَمَرَّةً بيَدِهِ، ومَرَّةً بصَدْرِه، ومَرَّةً بدَمِه، ومَرَّةً برًوْحِه وحَياتِه .. وهَكَذا مَا زَالَ لَهُم حِصْنًا مَنِيْعًا مِنْ عَادِيَةِ السَّباعِ، فِي حِيْنَ أنَّ أبْنَاءهُ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِه لا يَكُفُّوْنَ لَحْظَةً عَنْ إيْذَاءِ أبِيْهِم، فَمِنْهُم مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَه، ومِنْهم مَنْ يَحْثُو التَّرَابَ عَلَيْه، ومِنْهُم مَنْ يَحْصُبُه بالحِجَارَةِ … وهَكَذَا فِي آذَايا ( بَرِيْئةٍ )، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم وهُمْ يَصْرُخُوْنَ فِي وَجْهِ أبِيْهِم : يا أبَانا يا أبَانا : لا تَحْجِزْ بَيْنَنا وبَيْنَ هَذِه الحَيْوَانَاتِ الألِيْفَةِ، فَكُفَّ أذَاكَ عَنْها كَيْ نَفْرَحَ بِهَا !
وأدَلُّ مِثَالاً مِنْ هَذَا : مَا كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَيْنَ أهْلِ الطَّائِفِ … فَهُم مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِه يَرْمُوْنَه بالحِجَارَةِ، وهُوَ يَقُوْلُ : لِمَلِكِ الجِبَالِ حِيْنَ أرَادَ هَلاكَهُم : لا؛ فإنِّي أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلابِهِم مَنْ يَعُبُدُ اللهَ وحْدَه، ولا يُشْرِكُ بِه شَيْئًا !، إنَّه التَّارِيْخُ يُعِيْدُ نَفْسَه !
* * *
السبت, 09 ديسمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















