صياد الطيور
مدونه شخصيه ممكن تعجبكم

النكسه التاريخيه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِه الأمين . أمَّا بعدُ :
فَلَيْسَ خَافٍ أنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ تَعِيْشُ هَذِه الأيَّام فِي إدْبَارٍ مِنَ الزَّمَانِ، وإقْبَالٍ مِنَ الفِتَنِ والمِحَنِ؛ يَوْمَ تَقلَّبَتْ فِيْه أكْثَرُ الحَقَائِقِ والمَفَاهِيْمِ، وطُفِّفَتِ المَوَازِيْنُ، وحُرِّفَتِ المُسَلَّمَاتُ، وامْتَدَّتْ مِنْ أهْلِ الفُجُوْرِ الأعْنَاقِ، ونَجَمَ الزَّيْغُ والنِّفَاقُ؛ حَتَّى عَادَ المَعْرُوْفُ عِنْدَ الكَثِيْرِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مُنْكَرًا، والمُنْكَرُ مَعْرُوْفًا، كُلُّ هَذَا يَوْمَ وُسِّدَ الأمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِه، وتَسَنَّمَ المَنَاصِبَ مَنْ لا حَقَّ لَهُ، واتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوْسًا جُهَّالاً؛ فأفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وأضَلُّوا !
نَعَم؛ ضَاعَتْ هَيْبََةُ وهَيْمَنَةُ الإسْلامِ فِي صُدُوْرِ أكْثَرِ المُسْلِمِيْنَ، واهْتَزَّتْ ثِقَةُ العُلَمَاءِ لدَيْهِم، فِي حِيْنَ تَسَرَّبَتْ عَدْوَى أكْثَرِ النِّحَلِ والأفْكَارِ الهَدَّامَةِ إلى المُنْتَمِيْنَ لقَبِيْلِ العِلْمِ؛ يَوْمَ عَلَتْ أصْوَاتُ المُتَعالِمِيْنَ الأقْزَامِ ( العَصْرَانِيِّيْنَ ! )، وظُنَّ بالعِلْمِ مَنْ لَيْسَ أهْلاً لَهُ، وخَاضَ مَيَادِيْنَ التَّألِيْفِ والتَّحْقِيْقِ الأصَاغِرُ، وتَصَدَّرَ للفَتْوَى مَنْ أخْلَدَ للمَنَاصِبِ الدِّنْيَوِيَّةِ، وافْتَتَنَ بالسُّلْطَانِ ... وهَكَذَا مَا زَالَتِ العَدْوَى تَسْرِي أو تَجْري فِيمَنْ بَقِي، إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي، وقَلِيْلٌ مَا هُم !
فإنَّ الدِّيْنَ الإسْلامِي مَا فَتِئ ـ مُنْذُ نَشْأتِه الأوْلَى ـ يُوَاجِهُ أخْطَارًا جَسِيْمَةً، ومَصَائِبَ عَظِيْمَةً، وأقْلامًا مَسْمُوْمَةً تَرْقُمُ البَاطِلَ فِي هَيْأةِ الحَقِّ، تُكَابِدُ المَشَاقَ، وتُنَازِعُ الأهْوَالَ، وتَتسَنَّمُ ذُرَا الغِوَايَةِ لِتنْفُثَ سُمُوْمَ الحِقْدِ والزَّيْفِ فِي صَفَحَاتِ الإسْلامِ البَيْضَاءِ النَّاصِعَةِ !
* * *
فَلَيْتَ شِعْرِي!؛ لَو نَظَرْتَ إلى مُتَهَالِكِي زَمَانِنا مِمَّنْ لَبِسُوا ثَوْبَيْ زُوْرٍٍ وبُهْتَانٍ : إنَّهُم صَرْعَى القَنَاطِيْرِ المُقَنْطَرَةِ، والقُصُوْرِ المَعَمَّرَةِ، مِمَّنْ جَرُّوْا الأمَّةَ إلى دَوَاهِي ظَّلْمَاء، وبَلايا عَمْياءَ، فَكَانَ الَّتَيَّا والَّتِي، فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنْظُومةِ الهَوَانِ والخِزْي الَّتِي لَمْ تَفْتأ تَغْرِسُها دَعَوَاتُهُم الضَّعِيْفَةُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِيْنَ !
كُلُّ هَذَا مِنْ سَوَالبِ حُبِّ الرِّئَاسَةِ، وتَغَشِّي بَلاطَ السَّلاطِيْنَ، واتِّبَاعِ الهَوَى، وإعْجَابِ كُلِّ وَاحِدٍ برأيه … فمَا كَانَ لَهَذِه الدَّعَوَاتِ الهَزِيْلَةِ أنْ تَظْهَرَ فِي سَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ؛ فَضْلاً عَنْ بِلادِ التَّوْحِيْدِ، إلاَّ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ نَاصِحِي أهْلِ العِلْمِ تَثَاقَلُوْا رَفْعَ عَلَمِ النَّصِيْحَةِ بَيْنَ جَمَاعَةِ المُسْلِمِيْنَ؛ لا سِيَّمَا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ والدُّعَاةِ مِمَّنِ انْتَشَرَتْ دَعَوَاتُهُم وأثارُهُم عَلَى مَسَاحَةٍ كَبِيْرَةٍ مِنْ ثَقَافَاتِ، وتَصَوُّرَاتِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ لوَاقِعِهِم المَرِيْرِ !
وأيْمُ اللهِ؛ إنَّها السُّنُوْنُ الخَدَّاعَةُ يَوْمَ تَكلَّمتْ فيها الرُّوَيبِضَاتُ، ونَطَقَ فِيْها الكَذَبةُ، وائْتُمِنَ فِيْها الخَوَنةُ؛ حَتَّى عَادَ الحَلِيْمُ بَيْنَهُم حَيْرَانًا فِي وَسَطِ رُكَامِ الزَّيْفِ، وغَشَاوَةٍ مِنَ المُغَالَطَاتِ، وسُحُبٍ مِنَ الفِتَنِ المُظْلِمَةِ الَّتِي تَمُورُ بالمُسْلِمِيْنَ مَوْراً ...!
يَقُوْلُ ابنُ القَيَّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ وَاصِفًا حَالَ أهْلِ زَمَانِه : " اقْشَعَرَّتِ الأرْضُ، وأظْلَمَتِ السَّماءُ، وظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ والبَحْرِ مِنْ ظُلْمِ الفَجَرةِ، وذَهَبَتِ البَركاتُ، وقَلَّتِ الخيراتُ، وهَزَلَتِ الوُجُوهُ، وتكَدَّرتِ الحياةُ مِنْ فِسْقِ الظَّلَمةِ" ، اللَّهُمَّ رُحُمَاكَ، اللَّهُمَّ عَفْوَكَ ورِضَاكَ !
فَقِفَا نَبْكِي عَلَى رُسُومِ الإسْلامِ، وحَيَاةِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامِ؛ يُوَضِّحُهُ أنَّ طَائِفَةً مِنْ أهْلِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ بِعِمَارَةِ الدُّنْيَا، وصَرِيْفِ القَنَاطِيْرِ المُقَنْطَرَةِ مُنْشَغِلُون، وآخَرِيْنَ : بأعْتَابِ السَّلاطِيْنَ مَفْتُوْنُوْنَ، وآخَرِيْنَ : بالسُّكُوْتِ عَنِ الحَقِّ غَافِلُوْنَ، وكُلُّهُم يَدَّعِي وَصْلَ حَبْلِ ( الحِكْمَةِ ) !، ومَا هُم للحِكْمَةِ بصَادِقِيْنَ؛ اللَّهُمَّ : أنَّهَا وَصْلُ حَبْلِ الحَكَمَةِ ( مَا أحَاطَ بحَنَكَيْ الفَرَسِ مِنْ لِجَامَهِ ) لا الحِكْمَةِ، وعِنْدَ التَّمْحِيْصِ والتَّحْقِيْقِ : نَجِدُ الكُلَّ يَحْطُبُ فِي حَبْلِهِ، إلاَّ مَا رَحِمَ ربِّي !
* * *
نَعَمْ؛ ذَهَبَتِ الأنْدَلُسُ مِنَّا أرْضًا .. لكِنَّهَا سَتَبْقَى دَيْنًا وفَرْضًا !
وذَهَبَتِ مِنَّا الخِلافَةُ حِسًّا .. لكِنَّها سَتَبْقَى عَقِيْدَةً وإحْسَاسًا !
وسَالَتْ مِنَّا دِمَاءٌ بَشَرِيَّةٌ .. لكِنَّهَا فَاضَتْ أرْوَاحًا اسْتِشْهَادِيَّةً !
وذَهَبَ كَثِيْرٌ مِنْ أمْرِ دُنْيَانَا .. ولَكِنْ مَا زَالَ أمْرُ الدِّيْنِ فِيْنا !
ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ
فَلَيْسَ لَهُم سِوَى الأرْضُ والثَّرَى .. وسَتَبْقَى لَنَا دَوْمًا السَّمَاءُ والثُّرَيَّا !
* * *
لِذَا رَأيتُ لِزَامًا عَليَّ أنْ أكْشِفَ حَقَائِقَ مِنَ الدِّيْنِ مَعْلُوْمَةً، قَدْ ألْبَسُوْهَا ثِيَابًا فَضْفَاضَةً لتَسْجِيَ الحَقَّ بِظَلامِ البَاطِلِ المُمَوَّهِ، ولأهْتِكَ غَاشَيَّةَ الوَبَاءِ المُنْتَشِرِ عَنْ مَسَارِبِ الفِتَنِ الهَوْجَاءِ الَّتِي بَدَأتْ بِتَدَسُّسٍ إلى أبْنَاءِ أمَّتِي، وهُمْ فِي غَفَلاتِهم آمِنُونَ !
فَعِنْدَ هَذَا؛ رَأيْتُ مِنَ الوَاجِبِ أنْ أبُثَّ بَعْضًا مِنْ قَوَاصِمِ هَذِه الأيَّامِ الَّتِي شَقَّتْ فِي قُلُوْبِ المُسْلِمِيْنَ أخَادِيْدَ مَالَهَا مِنْ قَرَارٍ؛ لِيَتَسَلَّى بِهَا المُسْلِمُوْنَ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِم بَعْضًا، ابْتِدَاءً مِنَ الهَجْمَةِ الصَّلِيْبِيَّةِ ( الإمْرِيْكِيَّةِ وحُلَفَائِها ) في ( 1423هـ ) عَلَى بِلادِ المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ، إلى احْتِلالِ دَارِ السَّلامِ ( بَغْدَادَ ) فِي أيْدِي الصَّلِيْبِيِّنَ مِنَ الإمْرِيْكِيِّيْنَ والبِرِيْطَانِيِّيْنَ فِي ( 7/2/1424هـ )، كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ : "النَّكْسَةِ التَّارِيْخِيَّةِ" ، كَمَا أنَّنِي لَنْ أتَكَلَّفَ بَيَانَ هَذِه القَوَاصِمِ كَمَا يَرْتَضِيْه الطَّرْحُ العِلْمِيُّ؛ لا لِشَيْءٍ؛ اللَّهُمَّ أنَّهَا سَتَبْقَى ذِكْرَى للذَّاكِرِيْنَ، ونَكْسَةً تَارِيْخِيَّةً يَتَزَوَّدُ بِهَا أهْلُ التَّارِيْخِ مِنْ كَوَائِنَ مُخْجِلَةٍ، فِي حِيْنَ أنَّهَا لا تَحْتَاجُ إلى كَبِيْرِ رَدٍّ، أو حَتَّى تَوْضِيْحِ كَشْفٍ؛ بَلْ تَصَوُّرُها يَكْفِي فِي فَسَادِها، وظُهُوْرُ عَوَارِها يَكْفِي فِي كَشْفِها .
ومَعَ هَذَا أيْضًا فإنَّني لَنْ أُحَجِّرَ وَاسِعًا فِي تَعْمِيْدِ رَغْبَةِ كُلِّ مَنْ أرَادَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ بَيَانَ هَذِه القَوَاصِمِ، وكَشْفِ سَوْاءاتِها فِيْمَا بَعْدُ، تَحْتَ عُنْوَانِ : "العَوَاصِمِ مِنَ القَوَاصِمِ"، واللهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ .
وأخَيْرًا؛ فإلى بَيَانِ نَكَسَاتِنَا التَّارِيْخِيَّةِ بيانًا مُخْتَصَرًا عَلَى وَجْهِ التَّعْدُّدِ والتَّعْرِيْضِ؛ لأنَّ فِي ذِكْرَاهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءها بطَرِيْقِ الأوْلَى، أو التَّنْبِيْه .






* * * * *



النَّكْسَةُ الأوْلَى
ضَيَاعُ مَفْهُوْمِ الوَلاءِ، والبَرَاءِ !
إنَّ مَسَألَةَ ( الوَلاءِ، والبَرَاءِ ) مِنْ أخْطَرِ المَسَائِلِ اليوْمَ؛ بَلْ هِيَ أخْطَرُها، فِي حِيْنَ أنَّها لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مِنَ الأيَّامِ مَوْضِعَ مُسَاوَمَةٍ، أو مُنَاقَشَةٍ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ ( صَالِحِهِم وطَالِحِهِم )؛ بَلْ لَمْ تَكُنْ أيْضًا مَحَلَّ خِلافٍ ( للأسَفِ ! ) بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ البِدَعِ : كَالأشَاعِرَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، والمَاتُرِيْدِيَّةِ، والكُرَّامِيَّةِ، والصُّوْفِيَّةِ … فالكُلُّ مِنْهُم يُوَالِي المُسْلِمِيْنَ ويُعَادِي الكَافِرِيْنَ فِي الجُمْلَةِ، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ مَسْألَةَ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) قَدِ اقْتَرَنَتْ برَوَابِطَ وَثِيْقَةٍ لا تَنْحَلُّ بِحَالٍ مِنَ الأحْوَالِ عَنْ ثَوَابِتِها؛ كَمَا أنَّها مُحَاطَةٌ بعَلائِقَ قَدْ تَفُوْقُ سِوَاها مِنْ مَسَائِلِ العَقِيْدَةِ!
فلا عَجَبَ؛ فإنَّ عَقِيْدَةَ ( الوَلاءِ، والبَرَاء ) أصْلٌ مِنْ أُصُوْلِ هَذَا الدِّيْنِ، ولا يَصِحُّ الدِّيْنُ، ولا يَسْتَقِيْمُ الإيْمَانُ، لِمَنْ لَمْ يُحَقِّقْ اُصُولَ هَذِه العَقِيْدَةِ بِوَلائِها، وبَرَائِها .
* * *
قَالَ تَعَالَى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير"[آل عمران28] .
قَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي هَذِه الآيَةِ : " مَنِ اتَّخَذَ الكُفَّارَ أعْوَانًا، وأنْصَارًا، وظُهُورًا يِوَالِيْهِم عَلَى دِيْنِهم، ويُظَاهِرُهُم عَلَى المُسْلِمِيْنَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيءٍ، أي : قَدْ بَرِيءَ مِنَ اللهِ، وبَرِيءَ اللهُ مِنْه بارْتِدَادِه، ودُخُوْلِه فِي الكُفْرِ، " إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة " أي : إلاَّ أنْ تَكُوْنُوا فِي سُلْطَانِهم فَتَخَافُوْهُم عَلَى أنْفُسِكِم، فَتُظْهِرُوا لَهُم الوَلايَةَ بألْسِنَتِكم، وتُضْمِرُوا العَدَاوَةَ، ولا تُشَايِعُوْهُم عَلَى مَا هُمْ عَلَيه مِنَ الكُفْرِ، ولا تُعِيْنُوْهُم عَلَى مُسْلِمٍ بِفِعْلٍ" .
وما ذَكَرَهُ ابنُ جَرِيْرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : مِنْ كُفْرِ مَنْ يَقَعُ فِي هَذِه المُوَالاةِ، وخُرُوجِه مِنْ دَائِرَةِ الإسْلامِ، هُوَ مِنَ المَسَائِلِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ ( سَلَفًا وخَلَفًا )، مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ، ولا نَعْلَمُ لَهُم مُخَالِفًا، فالقَضِيَّةُ إذَنْ قَبْلَ أنْ تَكُوْنَ ( وَلاءً، وبَرَاءً )، فَهِي : ( إسْلامٌ، وكُفْرٌ )، فالأمْرُ جِدُّ خَطِيْرٌ !
فالَّذِي أبَاحَهُ لَنَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ : هُوَ عَدَمُ إظْهَارِ العَدَاوَةِ للكُفَّارِ حَالَ ضَعْفِنَا لأنَّهُ شَيءٌ، والمُوَالاةُ شَيءٌ آخَرُ، لِذَا جَازَ لَنَا أنْ نَتَّقِيْهِم بقُلُوْبِنَا، وذَلِكَ بعَدَمِ إظْهَارِ العَدَاوَةِ لَهُم لضَعْفِنَا، وشِدَّةِ بأسِهِم … والحَالَةُ هَذِه إذا كَانَ حَرَامٌ عَلَيْنا مُوَلاتُهُم ولَوْ بالقَلْبِ؛ … فَكَيْفَ بالتَّعَاوُنِ مَعَهُم، لا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى !، ولَكِنْ عَلَى حَرْبِ الإسْلامِ، والمُسْلِمِيْنَ ؟!، هَذَا واللهِ هُوَ : الكُفْرُ البَوَاحُ الَّذِي لَنَا فِيْه بُرْهَانٌ مُبِيْنٌ، وهُوَ مَا وَقَعَ فِيْه بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامِ عِنْدَ مُنَاصَرَتِهِم لإمْرِيْكا وحُلَفَائِها ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ والعِرَاقِ !
يَقُوْلُ ابنُ حَزْمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : " صَحَّ أنَّ قَوْلَه تَعَالَى " ومن يتولهم منكم فإنه منهم"[المائدة51]، إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِه؛ بأنَّه كَافِرٌ مِنْ جُمْلَةِ الكُفَّارِ فَقَطُ، وهَذَا حَقٌّ لا يَخْتَلِفُ فِيْه اثْنَانِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ" .
وهَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يُقَرِّرُ نَوَاقِضَ الإسْلامِ بِقَوْلِه : " النَّاقِضُ الثَّامِنُ : مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِيْنَ، ومُعَاوَنَتُهم عَلَى المُسْلِمِيْنَ …" .
وقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيْزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي ( فَتَاوِيْه ) : " وقَدْ أجْمَعَ عُلَمَاءُ الإسْلامِ عَلَى أنَّ مَنْ ظَاهَرَ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِيْنَ، وسَاعَدَهُم عَلَيْهم بأيِّ نَوْعٍ مِنَ المُسَاعَدَةِ : فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُم، كَمَا قَالَ سُبْحَانَه : "ياأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"[المائدة51]، انْتَهَى .
* * *
لقد أصْبَحَ المُسْلِمُوْنَ هذه الأيام أيَادِي سَبَأ : مِنْ بِلادٍ وَاحِدَةٍ إلى دُوَيْلاتٍ، ومِنْ خِلافَةٍ إلى خِلافَاتٍ !، فَعِنْدَ هَذَا كَانَتْ قَضِيَّةُ ( المُوَالاةِ والمُعَادَاةِ ) عِنْدَ أكْثَرِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامَ؛ مَحَلَّ نَظَرٍ ومُرَاجَعَةٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَطَرٍ مُتَفَاقِمٍ قَدْ يَدْفَعُ بالأمَّةِ إلى مَهَاوِيَ لا قَرَارَ لَها، فَوَاجِبُ المُسْلِمِيْنَ أنْ يَأخُذُوْا حِذْرَهُم مِنْ نَفَثَاتِ الإعْلامِيِّيْنَ، وإرْجَافَاتِ المُتَهَالِكِيْنَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبَابِ الَّتِي أوْصَلَتَنا إلى مَا نَحْنُ فِيْه مِنْ ذِلَّهٍ، ومَهَانَةٍ، وقَطِيْعَةٍ .
* * *
أمَّا صُوَرُ المُوَلاةِ للْكُفَّارِ كَثِيْرَةٌ جِدًّا؛ لا تَنْتَهِي إلى حَدٍّ مُسَمَّى، فمِنْها مَا هُوَ كُفْرٌ، ومِنْها مَا هُوَ دُوْنَ ذَلِكَ، فَمِنْ الكُفْرِ ما يَلِي:
الرِّضَى بِكُفْرِهِم، أو التَّوَلِي العَامُ لَهُم، أو الإيْمَانُ بِبَعْضِ مَا هُمْ عَلَيه مِنَ الكُفْرِ، أو التَّحَاكُمُ إلى قَوَانِيْنِهِم وأنْظِمَتِهم، أو مَوَدَّتُهم ومَحَبَّتُهم، أو الرُّكُوْنُ إلَيْهم، أو مُدَاهَنَتُهم ومُدَارَاتُهم عَلَى حِسَابِ الدِّيْنِ، أو الاعتذارُ لبَعْضِ كُفْرِهِم، أو طَاعَتُهُم فِيْما يَأْمُرُوْنَ ويُشِيْرُوْنَ، أو التَّشَبُّه بِهِم بعامَّةٍ، أو تَكْثِيْرُ سَوَادِهم، أو الدُّخُوْلُ فِي أحْلافِهِم وتَنْظِيْمَاتِهم ضَدَّ المُسْلِمِيْنَ … وهَذِه الأخِيْرَةُ هِيَ وَاسِطَةُ العِقْدِ فِي حَلْقَةِ الكُفْرِ والرِّدَّةِ، عِيَاذًا باللهِ، فَمِنْ ذَلِكَ :
1ـ مَنْ أعَانَ الكَافِرِيْنَ عَلَى المُسْلِمِيْنَ بكَلِمَةٍ، أو رَأيٍ، أو مُسَاعَدَةٍ، أو سَمَحَ لَهُم بالعُبُوْرِ مِنْ برِّهِ، أو جَوِّهِ، أو بَحْرِهُ … إلخ .
2ـ ومِنْ أخْطَرِها وأشَدِّها هَذِه الأيَّامَ مَا كَانَ مِنِ اسْتِعْدَاءِ الكافِرِيْنَ عَلَى إخْوَانِنا المُسْلِمِيْنَ، وهَذا الاسْتِعْدَاءُ لَه صُوَرٌ كَثِيْرَةٌ مِنْها :
تَجْرِيْمُ المُجَاهِدِيْنَ، والمُطَالَبَةُ باسْتِأصَالِ جُذُوْرِ ( الإرْهَابِ ! ) مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، ووُجُوْبُ مُحَارَبَةِ كُلَّ مَنْ يَسْعَى فِي تَرْوِيْعِ الأبْرِياءِ الآمِنِيْنَ، وزَعْزَعَةُ الأمَانِ فِي بِلادِ الكُفَّارِ وعَلَى رَأسِهِم إمْرِيْكا … فإنَّ كلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَصُبُّ جَامَ غَضَبِ التَّتَارِ الجُدُدِ ( الإمْرِيْكان وحُلَفَائِهم ) عَلَى إخْوَانِنا المُسْلِمِيْنَ، كَمَا تُعْتَبَرُ هَذِه الاسْتِعْدَاءاتُ إشَارَاتٍ تَحْرِيْضِيَّةً ( بطَرِيْقٍ، أو آخَرَ ) للكُفَّارِ بالانْتِقَامِ مِنْ إخْوَانِنا المُجَاهِدِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ وغَيْرِها، وهُوَ مَا حَصَلَ وكَانَ، فَلا حَوْلَ، ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ !
فَهَلْ لهَذِه القَوَاصِمِ مِنْ عَوَاصِمَ ؟!
* * *
فإذا عُلِمَ مَا هُنا؛ مِنْ خُطُوْرَةِ ضَيَاعِ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) هَذِه الأيَّامِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، بدَافِعِ الجَهْلِ، أو ضَعْفِ الإيْمَانِ؛ إلاَّ أنَّ هَذَا الخَطَرَ الكَبِيْرَ، والحِنْثَ العَظِيْمَ لَمْ يَنْتَهِ عِنْدَ حَدِّ العَامَّةِ؛ بَلْ تَعَدَّاهُ ( للأسَفِ ! ) إلى بَعْضِ عُلَمَاءِ زَمَانِنا، فَهَذَا واللهِ : هُوَ المَوْتُ الأسْوَدُ، والهِيَاطُ والمِيَاطُ !، إنَّها واللهِ إحْدَى الكُبَرِ، وفَوْقَ ذَلِكَ ( مُصِيْبَةً ! ) وأدْهَى إذَا عَلِمَ الجَمِيْعُ أنَّ هَؤلاءِ مِمَّنْ تَسِيْرُ فَتَاوَاهُم عَبْرَ القَنَوَاتِ الآثِمَةِ، والإذَاعَاتِ السَّائِمَةِ؛ ممَّا غَدَتْ مَنْبَعَ الضَّلالَةِ، ومَنْجَمَ الجَهَالَةِ، فَمِنْها نَشَأتْ سَحَائِبُ الغِوَايَةِ، وإليها تُقَادُ خَبَائِثُ العَمَايَةِ، فإلى اللهِ المُشْتَكَى، وعَلَيْه التُّكْلانِ !
* * *
فانْظُرْ؛ يا رَعَاكَ اللهُ؛ إلى هَؤلاءِ الهَلْكَى فِي وَادِي تُضُلِّلَ، يَوْمَ تَقَاسَمُوا الكَلامَ عَنْ قَضِيَّةِ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) فِي فَتَاوَى مُغْتَصَبَةٍ قَدْ أمْلَتْها الضُّغُوْطُ السِّيَاسِيَّةُ، وحُبُّ المَنَاصِبِ الدِّنْيَوِيَّةِ، فَتَرَاهُم يَتَرَاجَمُوْنَ قَضِيَّةَ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) مَا بَيْنَ تَقْسِيْمَاتٍ ثُنَائِيَّةٍ، وثُلاثِيَّةٍ، ورُبَاعِيَّةٍ، فَمُسْتَقِلٌ ومُسْتَكْثِرٌ، إلاَّ أنَّهُم مَعَ هَذِه التَّقْسِيْمَاتِ ( القَاصِمَاتِ ) قَدْ أجْمَعُوا أمْرَهُم عَلَى أنَّ كُلَّ وَلاءٍ حَصَلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامِ للكُفَّارِ ابْتِدَاءً بأفْغَانِسْتَانَ، وانْتِهَاءً بالعِرَاقِ لَيْسَ مِنَ الكُفْرِ بِشَيْءٍ … كُلُّ ذَلِكَ بِدَافِعِ الخُرُوْجِ مِنْ أنْفَاقِ الضُّغُوْطِ الوَاقِعِيَّةِ، وأوْحَالِ مَلاذِ الشَّهَوَاتِ الدِّنْيَوِيَّةِ، فَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوْمُ !
* * *
وفَوْقَ ذَلِكَ وأشَدُّه؛ أنَّه لَمَّا ضَاقَتْ بِهِم إجْمَاعَاتُ السَّلَفِ فِي كُفْرِ مَنْ أعَانَ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِيْن، قَالُوا : إنَّ الوَلاءَ الكُفْرِي يَكُوْنُ لِمَنْ وَالَى الكُفَّارَ لدِيْنِهِم، أو وَالاهُمْ بقَلْبِه!، وهَذِه نَكْسَةٌ بَارِدَةٌ أخْرَى؛ بَلْ هِيَ مِنْ إفْرَازَاتِ الإرْجَاءِ المَمْقُوْتِ، فَيَا لعَقِيْدَةِ السَّلَفِ!، ويا لِمَا سَطَّرَه أئِمَّةُ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ فِي "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" !
ألَمْ يَعْلَمْ هَؤُلاءِ المُرْتَكِسُوْنَ فِي مَغَالِيْطِ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) : أنَّ الوَلاءَ الَّذِي نَهَى اللهُ المُؤْمِنِيْنَ عَنْه، هُوَ : وَلاءُ التَّنَاصُرِ، والتَّحَالُفِ، فَلا مَعْنىً لَه فِي اتِّباعِ الكفار فِي دِيْنِهم، فَيَبْعُدُ جِدًا أنْ يَكُوْنَ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ يَمِيْلُ إلى اتِّبَاعِ الكُفَّارِ فِي الدِّيْنِ، وإنَّمَا الَّذِي يَخْشَى مِنْه هُوَ : وَلاءُ التَّحَالُفِ، والتَّنَاصُرِ، الَّذِي كَانَ يَلْتَبِسُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ أمْرُهُ فِي أوَّلِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ؛ وهُوَ مَا وَقَعَ فِيْه كَثِيْرٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ الآنَ، واللهُ المُسْتَعَانُ.
* * *
فأمْثَالُ هَؤُلاءِ إنْ كَانُوا يُحْسِنُوْنَ يَوْمًا : تَقْرِيْرَ تَوْحِيْدِ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ، فَمَالُهُم اليَوْمَ فِي تَقْرِيْرِ قَضِيَّةِ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) غَدَوْا حَيْصَ بَيْصَ ؟!
فالَّذِي يَعْرِفُ أنْ يَقُوْلَ : إنَّ للهِ أسْمَاءً وصِفَاتٍ تَلِيْقُ بِه مِنْ غَيْرِ تَحْرِيْفٍ ولا تَعْطِيْلٍ، ومِنْ غَيْرِ تَكْيِيْفٍ ولا تَمْثِيْلٍ، يَسْتَطِيْعُ أنْ يَقُوْلَ بَدَاهَةً : إنَّ للهِ وَلاءً يَلِيْقُ بِه مِنْ غَيْرِ تَحْرِيْفٍ ولا تَعْطِيْلٍ؛ بَلْ مَنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّفْكِيْرِ والتَّأمُّلِ عَلِمَ يَقِيْنًا : أنَّ الوَلاءَ والبَرَاءَ أسْهَلُ قَوْلاً وأوْضَحُ عَمَلاً مِنْ بَابِ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ!، ومَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ، لِذَا كَانَ الإقْرَارُ بأحَدِهِما إقْرَارًا بالآخَرِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ، وإلاَّ أصْبَحَتْ عَقِيْدَةً سِيَاسِيَّةً، لا عَقِيْدَةً إسْلامِيَّةً !
* * *
فيَا سُبْحَانَ اللهِ!؛ يَوْمَ قَامَ فِيْنَا العِلْجُ الكَبِيْرُ ( الصَّلِيْبِيُّ ) خَطِيْبًا، وهُوَ يُمْلِي عَلَيْنا ( المُسْلِمِيْنَ ) عَقِيْدَةَ ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) دُوْنَ تَحْرِيْفٍ أو تَأوِيْلٍ!؛ حَيْثُ قَالَ : "إمَّا مَعَنَا، وإمَّا ضِدَّنا! "، فيا للعَقِيْدَةِ الإسْلامِيَّةِ !
فَهَذَا العِلْجُ الكَافِرُ لا يَرْضَى اليَوْمَ فِي ( الوَلاءِ والبَرَاءِ ) مُجَامَلَةً، أو مُوَارَبَةً، أو تَأوِيْلاتٍ بَارِدَةً، أو ابْتِسَامَاتٍ صَفَرَاءَ؛ فالمَوْقِفُ عِنْدَه حَرِجٌ، والحَرَبُ وَشِيْكَةٌ مَصِيْرِيَّةٌ، فَهَلْ مِنْ عَاصِمٍ لهَذِه القَوَاصِمِ؟!


(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


MySpace

MySpace

image hosting file

image hosting file